عندما دُعيت للكتابة عن سعاد حسني ظننت أنني سأكتب أغنية راقصة وأُلحِّنها في الوقت نفسه. رسالة حب طويلة لو قرأتها سعاد لما انتحرت أو قُتِلت. يكفي أن ترفع في وجه القاتل أي صفحة من صفحاتها العشرين حتى تترقرق الدموع من عينيه فيمسحها بقفازه الجلدي. تأتيه بالماء وترفع قناعه الأسود ليشرب فيعتذر باكيًا ويصلح قفل الباب. ثم يدعوها للانتقال إلى بيتٍ آمن. تسأله سعاد في قلق: أين ستذهب بهذه الحالة؟ فيحني رأسه الخزيان ويقول إنه سيذهب إلى المكان الذي يعود فيه إنسانًا.
رسالة ربما تغير مصير الفن. رسالة تاريخية يتقاتل عليها ورثة نزار وجاهين وناجي ويوسف إدريس. رسالة تمنع النوم من غادة السمان. لكن الفنانة نور السيف قطعت الطريق على خيالاتي وقالت إنهم سيقيمون معرضًا فنيًا لا يحتفي بالنجمة سعادة بقدر ما ينطلق منها ليسلط الضوء على عزلة الفنان وكآبته الخفية.
بدت كل كلمة أكتبها مثل منشار في يد طبيب يوشك أن يقطع قدم عدّاء أو راقصة باليه. قلت على الأقل سأكتب أغنية عيد ميلاد للهالات السوداء، للتجاعيد، للترهلات، للدوالي، للحدبة الخفيفة، لما لم يتحلل بعد من عظامها. سأكتب ما يشبه التلويحة الحزينة لظهر إنسانٍ لن يلتفت لرؤيتها، وهكذا كتبت "خلي بالك من سوسو".
"توقفت السيارة في شارع يحيى إبراهيم في الزمالك، وهَمّ سائقها بالنزول ليفتح لسعاد الباب، لكنها أومأت بكفّها ونزلت. كانت الساعة الثانية ظهرًا. الربيع يطيّر النسائم فلا تطير بعيدًا. الشمس في عنفوانها اللاهب. أسرعت سعاد نحو مدخل العمارة البيضاء فلمحت الحارس نائمًا على الكرسي. تقدمت حتى المصعد وطلبته، ثم انتبهتْ إلى أنه لا يعمل. تأففت واندفعت لتوبخ الحارس، ولما رأته غارقًا في النوم غيرت رأيها.
كم كبر الحارس. كان فيما مضى يجري لاستقبالها فيصنع بيديه ممرًا آمنًا من باب السيارة حتى باب الشقة. يلازمها في الدخول والخروج فيحمل عنها الأشياء، ويدفع المعجبين بعيدًا. لطالما شكت صديقاتها من صرامته، وكم سخِرن من ظهوره في خلفية الصور التي يلتقطها الصحفيون عند بيتها.
مضت سعاد نحو دَرَج العمارة وتوقفت لحظة قبل الصعود. الشقة في الدور الرابع. عليها أن تصعد ثمانية سلالم بحذائها ذي الكعب العالي. نسيت أمر الحذاء وبعد قليل ستذكِرّها أوتار الكاحل. ما إن بلغت الطابق الثاني حتى مالت نحو الدرابزين لتستند عليه. لقد كانت في صباها تنهب الدرج ثلاثًا ثلاثا. كاد نَفَسُها ينقطع في الطابق الثالث فاستراحت قليلا لتملأ رئتيها بالهواء، ثم تابعت طريقها. لم تخلع حذاءها حتى دخلت الشقة، وارتمت على الكرسي الأحمر ريثما تنتظم ضربات قلبها، ونسمات صدرها، ويجف العرق.
كان الظلام يلف الشقة كأن أصحابها قد غادروا للتو. لا نور باستثناء ذلك الشعاع النحيل الذي تسلل بالكاد عبر الستائر. لقد عاشت سعاد تحت الضوء الباهر طوال حياتها. أضواء الاستديو وأنوار السينما وفلاشات الكاميرا وعيون المعجبين الواسعة. والآن باتت تميل إلى الظلام مثلما يميل إليه المصابون بالشقيقة.
مضت ساعة وهي ما تزال جالسة على الكرسي. ضمّت ساقيها فلمحت الدوالي التي عرّشت فوقهما. تتبعت بأصابعها تلك الفروع البنفسجية حتى رنّ تلفون البيت فصرف انتباهها. نهضت أخيرًا لترد ولما رفعت السماعة انقطع الاتصال. ظلت واقفةً هناك لعل المتصل يرن مرةً أخرى لكنه لم يفعل فابتعدت دون اكتراث. لقد رنّ هذا التلفون ملايين المرات ولم تأبه يومًا بالرد عليه. تسابقت صديقاتها عوضا عنها لسماع الرسائل الغرامية.
مضت لتشرب كأسًا من الماء وراحت تتجول في الشقة دونما هدف كما تفعل القطط. تأملت اللوحات، والتذكارات، والمجلات، والصور، والهدايا، والرسائل. ودَّت لو تلقي بها دفعةً واحدةً من البلكون. "سأطلب من الحارس أن يخرجها اليوم من البيت" قالت في نفسها. ولما كانت تلك الأشياء لا تعنيها حقا فلن تتذكر.
في الصالة، وقفتْ على التلفزيون فانعكس ظلها. لقد كبرت وترعرعت خلف الشاشات. لم يخطر في بالها أنها كانت تعيش في ذلك الصندوق الخشبي؛ بيتها الأبدي. ستمسح بيدها لا إراديًا على الشاشة، وتمضي نحو الأريكة فتستلقي هناك وتغط في نوم عميق.
وبعد ساعات تستيقظ. تشعر بالجوع لكنها في الوقت نفسه لا تشتهي الطعام. تنهض وتشعل التلفزيون لا لشيء إنما ليدفع عن البيت الوحشة. تغسل وجهها في الحمّام فتصلها الأصوات. صادف أن التلفاز في تلك الساعة يذيع أحد أفلامها الشهيرة. ابتسمت، وكانت تلك ابتسامتها الأولى في هذا اليوم. من يعرف النجوم يعلم أنهم لا يُدهشون لرؤية أنفسهم في التلفزيون، والحال نفسه مع نجوم الغناء حينما يبث المذياع أغانيهم.
انطلقت سعاد تغني في التلفزيون، ورددت معها سعاد شيئا فشيئا حتى أخذت تتمايل في الشقة كما تتمايل سعاد في التلفزيون. ترقصان وتغنيّان معًا في الوقت نفسه، بل حتى تغمزان في اللحظة نفسها فكأن إحداهما قد تسللت إلى الأخرى. كان مشهدًا لا يمكن تصديقه؛ سعاد تغني لسعاد وترقص وتضحك أيضا.
وبعد دقائق خمد الكتفان الراقصان، وسقطت النجوم من الذراعين، والفراشات من القدمين، وغامت ضحكة العينين، واختفى الدوار اللذيذ. تهاوت سعاد وتكومت على الأرض باكيةً بلا صوت ولادموع، ولن تتوقف بعدها عن البكاء حتى عندما تضحك."
ـــــــــ
الصورة لعمل الفنانة نور السيف، والمعرض يقام الآن في الرياض.
تعليقات
إرسال تعليق