المشاركات

الفازة الزرقاء

صورة
شهقت العاملة في المطبخ خوفًا من صوت الارتطام الذي تناهى إلى سمعها. جرت إلى الصالة فإذا الفازة الزرقاء قد انكسرت وتناثر حطامها على الرخام. ما كانت تخاف أكثر من هذا المنظر فالسيدة قد نبهتها آلاف المرات حتى باتت ترى الفازة في كوابيسها الليلية توشك أن تقع فتلتقطها في اللحظة الأخيرة. لم تكن السيدة بالمرأة المستبدة، بل لطالما كانت في غاية اللطف والحنان إلا عندما يتعلق الأمر بهذه الفازة تحديدًا. تعودت العاملة بعد شهور على القيام بأعمال البيت الشاقة حتى صارت تؤديها بشكل آلي، لكن ما إن تدنو من الفازة الزرقاء لتمسح عنها الغبار حتى ترتعش من الرهبة.   اجتمع أفراد العائلة بعد دقائق لينظروا إلى المصيبة التي نزلت على البيت. جاء الأب أولًا ثم ابنته المدللة ثم الأولاد الثلاثة وكانت الأم -على غير العادة- آخر الحاضرين. أما القط فتغيّب عن عمد إذ كان نائمًا على الأريكة الصفراء حين أيقظه دوي الارتطام. انتصبت قوائمه وتقوس ظهره وسرعان ما أدرك بغريزته أنه يقف في المكان والزمان غير المناسبين. ولما كان لا يملك أن يدافع عن نفسه انسلّ إلى الطابق العلوي قبل أن يراه أحدهم فيتهمّه ظلمًا، ولن تكون هذه هي المرة الأ...

الحديقة الزجاجية

صورة
  لا أحد يتذكر بالضبط متى اختفى الجدار الفاصل بين روضة الأطفال ودار العجزة، وكيف زحف الشيوخ وحبا الأطفال ليعانق أخيرًا بعضهم البعض. يقول الناس إن الحديقة الزجاجية، في الأصل، كانت روضةً للأطفال ثم تحولت إلى دارٍ للعجزة. يا لصدمة أولئك الآباء حين أتوا بأبنائهم في السابعة صباحًا ليجدوا شيوخًا جالسين على الكراسي الصغيرة الملونة. ارتفعت الأصوات في مكتب الاستقبال وهدد البعض بمقاضاتهم أو سحب أموالهم حتى خرج المالك الأحدب وهو يحمل عجوزًا نائمًا بين ذراعيه. قال بنبرة خافتة يمكن لأطفالكم اللعب مع الكبار أو العودة بعد ثمانين سنة. نحن هنا لرعايتهم الآن أو بعد عقود. على أن البعض يكذِّب تلك الرواية ويقول إنما أراد الناس أن يتخلصوا من آبائهم وأبنائهم دفعةً واحدة، وهكذا اختُرِعت الحديقة وحُشِر الأجداد والأحفاد فيها.   اعتاد المارّة أن يروا الأطفال في الحديقة الزجاجية وهم يدفعون العجزة في المراجيح حتى ترتفع الصلعات اللامعة وتلامس أوراق الصفصاف البلاستيكية. كما اعتادوا رؤية الطفل الجالس، كل مساء، تحت الشجرة الصناعية، يحدق ساهمًا في السماء ولا يمس أبدًا رضّاعة الحليب. العاملات يطفن بلباس الممرضا...

خلي بالك من سوسو

صورة
عندما دُعيت للكتابة عن سعاد حسني ظننت أنني سأكتب أغنية راقصة وأُلحِّنها في الوقت نفسه. رسالة حب طويلة لو قرأتها سعاد لما انتحرت أو قُتِلت. يكفي أن ترفع في وجه القاتل أي صفحة من صفحاتها العشرين حتى تترقرق الدموع من عينيه فيمسحها بقفازه الجلدي. تأتيه بالماء وترفع قناعه الأسود ليشرب فيعتذر باكيًا ويصلح قفل الباب. ثم يدعوها للانتقال إلى بيتٍ آمن. تسأله سعاد في قلق: أين ستذهب بهذه الحالة؟ فيحني رأسه الخزيان ويقول إنه سيذهب إلى المكان الذي يعود فيه إنسانًا. رسالة ربما تغير مصير الفن. رسالة تاريخية يتقاتل عليها ورثة نزار وجاهين وناجي ويوسف إدريس. رسالة تمنع النوم من غادة السمان. لكن الفنانة نور السيف قطعت الطريق على خيالاتي وقالت إنهم سيقيمون معرضًا فنيًا لا يحتفي بالنجمة سعادة بقدر ما ينطلق منها ليسلط الضوء على عزلة الفنان وكآبته الخفية.   بدت كل كلمة أكتبها مثل منشار في يد طبيب يوشك أن يقطع قدم عدّاء أو راقصة باليه. قلت على الأقل سأكتب أغنية عيد ميلاد للهالات السوداء، للتجاعيد، للترهلات، للدوالي، للحدبة الخفيفة، لما لم يتحلل بعد من عظامها. سأكتب ما يشبه التلويحة الحزينة لظهر إنسانٍ لن ي...

من القصة إلى الرواية..

صورة
  لو سُئِلتُ قبل عشر سنوات: "ماذا تريد أن تكتب؟" لأجبت بلا تردد: "أريد أن أكتب الرواية". الرواية لا القصة ولا حتى الشعر. لطالما تمنيت أن أكتب رواية كبيرة جدًا لا تنتمي إلى زمننا هذا بقدر ما تنتمي إلى زمن الكلاسيكيات العالمية. روايةٌ تلفت لضخامتها انتباه من يتجول في المكتبة فيتوقف قليلًا لقراءة العنوان، ثم يسائل نفسه: "هل يملك وقتًا للقراءة؟ هل يملك الرغبة حقًا؟" فإذا حمل الرواية من الرف العلوي أثقلت ذراعه، وسيتضاعف ثقلها حالما يرى أسفل الغلاف الخلفي ملصق السعر. "هل تستحق هذه الرواية أصلًا؟" يبدو الثمن، حسب رأيه، مبالغًا فيه. لن يمنعه من الشراء، ولكن لن يدفع نقوده هكذا دون أن يتبرم على الأقل.  يمضي بالرواية إلى البائع فيرمقه بنظرةٍ لا تخلو من الإعجاب، أم تلك نظرة ساخرة؟ ينساها سريعًا ويمضي إلى البيت، حتى إذا دخل تسلل بهدوء إلى غرفته محاذرًا أن يصدر صوتا. كلما خطا على الباركيه خشي أن ينفجر أحد الألغام الخشبية. لقد عاهد أبويه أو زوجته -والأمر أخطر في هذه الحالة- ألا يهدر أمواله مرةً أخرى في شراء الكتب. الجَدّة، رغم ضَعف نظرها، تراقب الداخل والخارج م...

خرائط الكنز..

صورة
  قبل البورسلان والرخام والجرانيت كانت أفنية البيوت في الغالب من البلاط البلدي المرقط. بلاط تقليدي من الإسمنت والحجر لو رأيته اليوم لعدت طفلا أجري في فناء بيتنا القديم حتى أقف على بلاطةٍ بعينها. كانت تلك البلاطة المربعة غير ثابتة. كلما وطأتها قدمي الصغيرة تأرجحت. لعل العامل أثناء رصفها قد نال منه التعب والسأم، أو ربما لم يكن لديه لحظتها ما يكفي من الملاط، وما كان ليخلط ترويبة جديدة من أجل بلاطة واحدة. أو ربما هي ببساطة أفاعيل الزمن، وماذا لا يستطيع الزمن فعله؟ لا تخلو الأرصفة ولا الأفنية عادةً من تلك الأحجار غير المتماسكة التي تكاد تخرج عن السطح مثلما تفعل الخيوط المنسولة في الملابس. أحجار مازحة لا تدفع أحدًا للسقوط، لكن يسعدها أن تكسر إيقاع المشي، وتشكك المارة لوهلة في توازنهم فيشك المرء في قدمه، وتشك القدم في الحذاء، ويشك الحذاء في الطريق. كم سرّني الوقوف على تلك البلاطة القديمة، وتأمل بياضها المشوب بالسواد ذلك أني أخفيت تحتها تحويشة طفولتي. كان الآباء في ذلك الزمن -وحتى الآن- يهدون أبناءهم حصّالات ليتعلموا الادخار ويكفّوا عن إزعاجهم وسؤالهم كل يوم عن الألعاب ومتى سيأتي العيد. وك...

الأرضة التي ابتلعت بيتنا القديم

صورة
  أخيرًا أمسكت بالأرضة التي ابتلعت بيتنا القديم. ظللت أطاردها سنوات وسنوات بدأب فتى أقسم لأمه أن يطارد قاتل أبيه حتى آخر يومٍ في حياته. كلما خرجت للبحث عنها حاول إخوتي عبثًا إقناعي أن الجرافات هي من هدمت البيت. ما كانت الأمطار ولا العواصف لتمنعني من مطاردتها كل ليلة. رأيت الأرضة في طفولتي أول مرة حين فتحت خزانة الملابس الخشبية. كانت تجلس في زاوية الرف السفلي وقد بلغت من الجوع والتعب ما لا يجعلها تخاف أحدا حتى الموت نفسه. لقد صممت على أن تقضم ألياف الخشب ولو كانت تلك قضمتها الأخيرة. ما كنت لأقتلها آنذاك. تركتها ترعى في الخزانة ولو تركت ضبعًا هناك لكان أرحم. قدّرت لو أنها عاشت ألف سنة لما استطاعت أن تأتي على ذلك الرف! لم أنسها أبدا. كلما ضجت ذاكرتي بالصور القديمة وراحت تحذفها -كما نفعل في هواتفنا الذكية- استثنتْ صورة الأرضة وهي تغرز نابها الشرِه في ذلك الرف. احتفظت بصورتهالسببٍ ما طوال تلك السنين. وبينما أمسح الشوارع ليلة أمس بحثًا عنها إذ التمع من بعيد نابها ذاك مثل فص ألماس في الرمل. ركضت نحوها فلم تفزع مني حتى حملتها ورحت أضرب ظهرها لتبزق بيتنا القديم. حاولتْ الهرب وسرعان ما أدركت...

زيارة خاطفة لأحمد شوقي..

صورة
  كان في بيتنا الأول مكتبة صغيرة لونها رمادي كئيب. تقشّر طلاؤها فزاد من كآبتها، وتآكلت أطرافها الحديدية فمالت قليلًا إلى اليسار. كانت على الأرجح خزانة لمصلحة حكومية تُحفظ فيها سجلات الصادر والوارد، أو المواليد والوفيات. إذا أراد أحدنا أن يفتح المكتبة أو يغلقها لا بد أن يسدّ أذنيه كأنه سيفجر حزمة من الديناميت. كان لها صرير يشرخ الآذان والجدران. لا أدري كيف نجت من سوق الخردة، ثم فرّت من سوق الأثاث المستعمل حتى لاذت ببيتنا. الأرجح أن المستأجر السابق تركها خلفه. ملأها أبي بكتب الشعر والمعاجم. هناك لمحت أحمد شوقي أول مرة. لمحته مرةً أخرى على الطاولة الصغيرة المجاورة لسرير أبي، ثم رأيته وسمعته في كل زوايا البيت. كان أبي يؤمن بالتربية الشعرية وهكذا صار مؤدبنا هو شوقي. يوبخنا بأبياته ويواسينا، ولقد يقسو علينا ثم يصفح بعد ذلك ويعانقنا. وكانت حكايات الحيوانات قصصنا ما قبل النوم، ونسختنا الشعرية من كليلة ودمنة. أما مسرحياته فكانت أول شاشة ذكية نقتنيها في حياتنا. ولما كبرنا تفرّق عنه إخوتي وبقيت أزوره بانتظام في المكتبة فيسألني عنهم فردا فردا. حاول شوقي تعليمي الشعر عبثًا فأخبرني أن الإنسان إن...