من القصة إلى الرواية..
لو سُئِلتُ قبل عشر سنوات: "ماذا تريد أن تكتب؟" لأجبت بلا تردد: "أريد أن أكتب الرواية". الرواية لا القصة ولا حتى الشعر. لطالما تمنيت أن أكتب رواية كبيرة جدًا لا تنتمي إلى زمننا هذا بقدر ما تنتمي إلى زمن الكلاسيكيات العالمية. روايةٌ تلفت لضخامتها انتباه من يتجول في المكتبة فيتوقف قليلًا لقراءة العنوان، ثم يسائل نفسه: "هل يملك وقتًا للقراءة؟ هل يملك الرغبة حقًا؟" فإذا حمل الرواية من الرف العلوي أثقلت ذراعه، وسيتضاعف ثقلها حالما يرى أسفل الغلاف الخلفي ملصق السعر. "هل تستحق هذه الرواية أصلًا؟" يبدو الثمن، حسب رأيه، مبالغًا فيه. لن يمنعه من الشراء، ولكن لن يدفع نقوده هكذا دون أن يتبرم على الأقل.
يمضي بالرواية إلى البائع فيرمقه بنظرةٍ لا تخلو من الإعجاب، أم تلك نظرة ساخرة؟ ينساها سريعًا ويمضي إلى البيت، حتى إذا دخل تسلل بهدوء إلى غرفته محاذرًا أن يصدر صوتا. كلما خطا على الباركيه خشي أن ينفجر أحد الألغام الخشبية. لقد عاهد أبويه أو زوجته -والأمر أخطر في هذه الحالة- ألا يهدر أمواله مرةً أخرى في شراء الكتب. الجَدّة، رغم ضَعف نظرها، تراقب الداخل والخارج من مرصدها في الصالة. إذا حالفه الحظ لن تراه غير قطة البيت. ستموء مرتين وتشير بذيلها إلى الرواية التي في يده فيسكتها في الحال. سيعِدُها أن يمنحها لاحقا ما تريد. فإذا عبر الصراط -وقليلٌ هم العابرون- أغلق على نفسه الغرفة وتنفس الصعداء.
من الممكن تجاهل فيلٍ في الغرفة، ولكن ما أصعب أن يتجاهل الكتاب الجديد. لا بد من إلقاء نظرة عابرة أو نظرتين. أليس كذلك.؟ يقرأ الجملة الافتتاحية فتنزلق عيناه سطرا سطرا، فقرة فقرة، صفحة صفحة. عندما يتجاوز الفصل الأول تقلب الصفحات نفسها بنفسها، حتى ينسى وجبة العشاء، ويتأخر في النوم. كلما تقدمت الساعة قال سأكمل هذا الفصل وأنام. ولن يغمض عينيه حتى يدرك أن الوقت قد تأخر كثيرًا، وأن الرواية لن تنتهي -لحسن حظه- هذه الليلة. وهكذا تمضي الأيام والليالي والأسابيع حتى يصل آسفًا إلى النهاية. يعرف القرّاء هذه اللوعة الشفيفة عند الانتهاء من قراءة الروايات الطويلة.
لقد غادرت الشخصيات، وما النقطة الأخيرة في الجملة الأخيرة سوى قطارٍ بعيدٍ يمضي بالشخصيات إلى قارئ آخر. إنما أردت أن أكتب روايةً بهذا الحجم حتى أصحب القارئ وقتا طويلا وهذا كل ما في الأمر.
لقد نشأت على قراءة الروايات الكبيرة وهذا سبب آخر يدعوني لكتابتها، مع أن كبار الكتّاب سبق وكتبوا روايات صغيرة لا تقل جمالا عن رواياتهم الكبيرة. كتب تولستوي (الحرب والسلم) وكتب أيضًا (موت إيفان إيليتش). كتب هيرمان ملفل (موبي ديك) وكتب أيضا (بارتلبي النسّاخ). كتب توماس مان (الجبل السحري) وكتب أيضًا (موت في البندقية)..
لكننا لا نكتب ما نتمنى بالطبع. ألم يقل بورخس إننا نقرأ ما نحب، ونكتب ما نستطيع كتابته. وهكذا وجدت نفسي دون قصد أكتب قصصًا قصيرةً، بل بالغة القصر. ظننت وقتها أني أمارس بعض التمارين قبل أن أكتب روايتي الضخمة حتى اكتمل كتابي الأول "فن التخلي". لم يحدث يومًا أن خططت لما أرغب في كتابته فأنا أكتب ما لا أخطط له، وأخطط لما لن أكتب أبدا.
يخجلني قليلا أن أقول إنني أدير شؤون حياتي بالطريقة نفسها. لعلكم تعرفون الضغينة التاريخية بين الكُتّاب والمخرجين. يكتب الأول القصة ويخرجها الثاني فيلما. تقول القصة شيئًا، وتقول الكاميرا شيئًا آخر. يدمدم الكاتب غاضبًا ويشتم المخرج الذي يضحك ساخرًا من هؤلاء الكُتّاب المزعجين. يتنازلون عن حقوقهم نظير مبالغ مجزية ثم لا يكفّون عن الصراخ والشكوى. الأمر في حالتي أكثر تعقيدًا لأنني القاص والمخرج في الوقت نفسه، ولم أشهد أحدهما يستلم مبلغًا مجزيًا إلا إذا كانت هذه الصفقات تعقد من وراء ظهري.
على كل حال، لنعد إلى الرواية الكبيرة، وإن كان من المعلوم أن كلمة السرّ تكمن في أثر العمل الفني لا حجمه، فقد أدركت أن الرواية الكبيرة ليست سوى حلم. ولنعترف فيما بيننا أن بعض الأحلام جميلة لأنها لا تتحقق. من منا لم يحلُم يوما بالعزلة أو العودة إلى القرية أو حتى الهجرة؟ ولا أحد يغادر.
في كتابي الثاني "العالق في يوم أحد"، وهو مجموعة قصصية أيضا، عقدت العزم على أن أكتب القصة نفسها مرتين أو ثلاث مرات. بالألوان تارة، وبالأبيض والأسود تارة أخرى. أصورها من الأمام ومن الجانبين، ومن الأعلى. أكتب عن الأمل في ثلاث قصص فيغدو مسيحًا في القصة الأولى، وغولًا في القصة الثانية، ويتحول في القصة الثالثة إلى قابيل وهابيل في الوقت نفسه. كان من المفترض أن تتسلسل القصص حسب ارتباطها ببعض لولا أنني استمعت إلى نصيحة مغايرة وندمت لاحقا.
لقد وجدت نفسي في القصص. القصص القصيرة تحديدا. لا يزعج القاص غير سؤال يطرحه أحدهم: "لماذا لا تكتب الرواية؟" وقبل أن يجيب القاص بسؤال مضاد "ولماذا أكتب الرواية؟" ينصرف ذلك الشخص. ولو تجرأ القاص يومًا وكتب رواية لجاء ذلك الشخص نفسه مستنكرًا وقال: "لماذا كتبت الرواية؟" من يسمعه يقولها بتلك الشفقة يظنه يقول: "لماذا فعلت هذا بنفسك؟"
لماذا كتبت الرواية حقا؟
لأن ما أريد قوله هذه المرة لا يمكن قوله في قصة قصيرة. أردت أن أكتب عن الأبوة والبنوة -وهذا من موضوعاتي الأثيرة-. بدا لي أن علاقة الأب بابنه لا تكتمل حتى يموت الأب أولًا، ثم يصبح هذا الابن بدوره أبًا. أردت أيضًا أن أكتب عن تلك اللحظة التي لا نلقي لها بالًا فإذا هي تنسف عالمنا فوق رأسنا. أردت مقاربتها بالعقل والعاطفة والفن، وإن كلفني فصل ماغريت الكثير من العتاب. أردت تفكيك العنف كما تفكك المسدسات، وأردت أشياء أخرى لست أدري إلى أي درجة أفلحت في تحقيقها.
لو سُئِلتُ الآن وقد مضت عشر سنوات ماذا تحب أن تكتب؟ لضحكت في سرّي لأن سؤالًا تأخر عقدًا كاملًا لن أجيب عليه الآن. سأنتظر عشر سنوات، وفي هذه الأثناء لا بد أن أعرف الجواب.

تعليقات
إرسال تعليق