المشاركات

جسِّرني..

صورة
  ربما كنت في الرابعة عشرة حين رافقتُ أمي إلى السوق. قالت: "جسِّرني" وهي كلمة ورثَتَها بالتأكيد عن أمها إذ لم أسمع غيرها ينطقها إلا نادراً. كانت جدتي رحمها الله تصرّ على ألا يذهب أحد أحفادها الصغار وحده إلى أي مكان حتى إلى بيت الجيران. أظنها كانت تخاف علينا من الضياع أو مكروه يسهُل وقوعه على فردٍ واحد كالوحدة مثلاً، أم تُراها كانت تخاف علينا من الوحدة؟ وقد رأت فيها ما يجذب الكوارث فاندفعت تدعونا كل مرة ليُجسِّر بعضنا البعض. أن يُجسّر المرء أحداً يعني أن يشجعه فيجعله جسوراً، بيد أنها كانت تقصد الشعور بالأمان لا الجسارة، وهكذا ظنت أن الرفقة تدفع الخوف بعيداً، وإن كنت لا أخفي محبتي الكبيرة للمعنى الحرفي "ساعدني لأعبر الجسر" وكل من يساعدنا على العبور هو جسر بشكل أو بآخر وهكذا يمكن أن تكون جسّرني "كن جسراً لي" أو بقليل من الرومانسية وعدم الدقة "كن جسري".    في طريقنا إلى السوق كان علينا أولاً أن نقطع محلات الأثاث حتى نصل إلى محلات الملابس والأواني. ولما وقع نظري على مكتب بني داكن توقفتُ فسألتني أمي ما الأمر. قلت أريده، فوعدتني أن تكلم أبي...

أنا وهو..

صورة
ربما كانت له رائحة التفاح، أقصد الرجل الذي في النصف الأيسر من الصورة أما الآخر فلا رائحة له، وربما لا يعدو ذلك أكثر من عنوانٍ لإحدى قصائده الأولى. لم يكن عبدالله الناصر -الذي لست هو وليس أنا- أول كاتب يحمل هذا الاسم ولن يكون الأخير. كان قد سبقه إلى ذلك القاص عبدالله الناصر الذي يكبره بثلاثة عقود تقريباً. ربما ظن الكثير، والظن أعشى، أنهما الشخص نفسه، وهكذا اندفعوا يخلطون بين كتبهما فينسبون مناقب هذا لذاك، ويُحمِّلون الأول وزر الثاني في سلسلة طويلة من اللبس وسوء الفهم. ما من أحدٍ سيتطوع آنذاك، حتى قوقل، ليوضح الفرق بين القاص عبدالله محمد الناصر وبين الشاعر الذي ربما كانت له رائحة التفاح عبدالله حمدان الناصر. ثم جاء دوري أنا لأزيد من تعقيد الأمر فأجعل هذا اللبس ثلاثي الأبعاد. كان من الممكن تفادي كل هذا مبكراً لو أضفت فقط اسم العائلة بيد أن الأسلاف ما كانوا ليرضوا عني أبداً، وقد بذلوا أقصى ما بوسعهم لأرث هذا الاسم الذي يتكرر ثلاث مرات: عبدالله بن ناصر بن عبدالله بن ناصر بن عبدالله بن ناصر. كم كان ثقيلاً حين تسلمته مثل أمانة. على كل حال، ما إن صدر "فن التخلي" حتى خلطوا بيني...

عُد يا كورتاثار..

صورة
عندما أعلن رئيس منظمة الصحة العالمية رسمياً أن الكورونا باتت جائحة كنت في المكتبة أشرح لكتبي خطورة الأمر وأنني ربما سأضطر إلى تركِها والسفر إلى مدينةٍ أخرى للالتحاق بأمي. وقفتْ الكتب في ذهول، وبعد هنيهة تساءلت كتب الاقتصاد في هلع ماذا سيحدث، فضحك ماركس، وسارعت كتب التاريخ إلى التفتيش في ذكرياتها القديمة، في الوقت الذي تجهمت فيه كتب الفلسفة أو لعلها وُلِدت هكذا، وانشغلت الروايات بنفسها وكذلك كتب الفن التشكيلي، أما كتب الشعر فمالت نحو النافذة وراحت تحدق في النجوم كعادتها كل مساء. كان علي أن أختار الكتب التي سترافقني وهي قليلة بالطبع مهما كثرت، وبينما أنا كذلك تذكرت السؤال التقليدي السخيف: أي كتابٍ ستحمله في جزيرة معزولة؟ ما دفع حنه آرندت إلى السخرية بقولها: "الجواز الأمريكي". غني عن القول أن لا عاصم من الكورونا اليوم. وقفتُ طويلاً ثم حسمت أمري بصعوبة، حملت سيرة فولتير، وحجلة كورتاثار، وجبل مان، وعزلة ماركيز وحرب يوسا وفي هذه الأثناء ارتمت على قدمي بعض الكتب مثل قطط فحملت لحن ثيلا وقصص مياس وكتب أخرى. تعمدت أن يكون بعضها من المفضلات وبعضها الآخر من المؤجلات، وأن تكون كله...

الشيطان يزور أمستردام

-١- حدث في مثل هذا اليوم  عشت حياتي كلها مثل دون كيخوته، فارسا بلا بطولات، (وحيدًا من الخلان في كل بلدةٍ)، كلما عثرت على سانتشو أضعتُ سيدة عمري دولثينا دل توبوسو فإذا وجدتها ضاع مني سانتشو . أربت كل صباح على سقف سيارتي القديمة كما يربت دون كيخوته على عرف حصانه الهزيل روثينانته فيطمئنه بأنه لن يبدله حتى بحصان الإسكندر، وهكذا أطمئن سيارتي بأني لن أبدلها بكل سيارات الملياردير السعودي يزيد الراجحي. مضت السنون بلا أمجاد كأني نادي النصر السعودي حتى زار الشيطان أمستردام في مثل هذا اليوم من العام الفارط.  -٢- الشيطان يزور أمستردام قادما من موسكو، هبط الشيطان لدقائق في أمستردام واستأذن ليجلس بجانبي في المقهى، فأومأتُ برأسي أن تفضل. خلع قفازه ببطء، ثم أشعل سيجارة من نوع ناشا ماركا وراح يدخنها في هدوء. تشاغلت بهاتفي فتنحنح مرددًا:" إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ أكيلًا / فإني لستُ آكِلهُ وحدي". مددت له الكوروسان بضيق فأعاده بنفثةٍ من دخانه وقال: "كعكة الفضاء لو سمحت". سرت كالمسرنم ودفعت ثمنها وما كنت لأتردد، لا بسبب بيت الطائي ولكن لأنه أحد أبيات أبي ال...

كانت تعيسة - خوان خوسيه ميّاس

صورة
عندما كنت صغيرة، في سنوات طفولتي المبكرة تحديداً، أدركت بأن البشر يمتلكون موهبة الشقاء أكثر من امتلاكهم موهبة السعادة. لذا كان يروق لي منظر الرجال والنساء وهم يكافحون في شبابهم لبناء مستقبلٍ سعيد. وعندما يأتي المستقبل بكل عفوية يكون خالياً من البهجة وغنياً بالبؤس، مما يجعلهم يسقطون في كآبةٍ عميقة، وبما أنهم قد هيّئوا أنفسهم للسعادة لم يعد بوسعهم التعامل مع الشقاء. كان والداي تعيسين جداً، لا يتبادلان أي عاطفة على الإطلاق، ويتجادلان طوال الوقت حول الأمور التافهة. لا زالت بعض مشاجراتهما محفورة في ذاكرتي.  "يوماً ما سأقتل نفسي." كانت والدتي تقولها مسحوقةً تحت وطأة المشاكل العائلية وبكاء أخويّ الصغيرين.  "حسناً، أخبريني في أي يوم؟" وتابع بكل ازدراء "في الأسبوع القادم عندي رحلة عمل وسأكون بعيداً عن المنزل ابتداءً من يوم الاثنين حتى الخميس." "لقد أنهكَتني تلبية حاجاتك، سأختار اليوم الذي يلائمني ولا يمكنك التكهن به". "لماذا لا يكون الجمعة؟ عندما تزورنا والدتك فتعتني بالأطفال." "أكره أن تسدي لي والدتي معروفاً." ...

ست قصص قصيرة جداً لإنريكي اندرسن امبرت

صورة
-١- "إبتهِج! لقد تحققت أمنيتك! ستكتب أجمل القصص في العالم، ولكن لن يقرأها أحد". -٢- أفرغ الرجل مسدسه في عدوه البشع. خمس طلقات. ضغط الزناد مع ذلك مرةً أخرى. بدا عاجزاً عند سماعه لسلاحه الفارغ. والآن، وحيداً مع الجثة هاهو يشعر بالخوف. -٣- أخبرته بأنني لا أؤمن بالملائكة.  أجاب: "لأنه ليس لديك ملاكٌ حارس، أما أنا فعندي". التفتَ وراح يأمر شخصاً غير مرئي: "إصبعك يا رازيل".  ثم خلع قبعته وتركها معلقةً في الهواء. -٤- فشل ناثانيل في أن يكون كاتباً وقرر أن ينتحر. عبأ مسدسه وتركه بجانبه على الطاولة، وبدأ في كتابة رسالة الوداع. طالت الرسالة، وأشرقت وتنفست وعاشت. إنها تحفة، التحفة التي لطالما تاق إليها! ولكي ينشرها لم ينتحر ناثانيل. -٥- باح روبرت بسرٍ لباسيل، فوعده باسيل بعد سماعه أن يبقى صامتاً مثل قبر، وهكذا نشأت بينهما صداقةٌ عظيمة. ومنذ تلك اللحظة صارا معاً على الدوام. يتحدث روبرت وينصت إليه باسيل. ومع الوقت، صار باسيل أكثر صمتاً وتجويفاً. وفي أحد الأيام، انتبه روبرت بشيء من القرف أن باسيل قبرٌ في الواقع، وأن عينيه المفتوحتين م...

أبناء اليد..

صورة
  إذا كانت الأصابع الخمسة أبناء اليد فلا بد أن مصير هذه العائلة مرهونٌ بالسبابة، لا بابنها الأكبر. فالأصبع الأوسط كما لا يخفى على أحد مشغول بوسامته ومغامراته، وله تاريخٌ طويل من المجون والبذاءة، وغالباً ما سينتهي به الأمر مطعوناً في زقاق. أما الإبهام فلا يصلح لأكثر من مراجعة الدوائر الحكومية وعدّ النقود. ربما يساعد في حراسة المرمى. ينسى دائماً بَصمته هنا وهناك، ليس ذكياً صحيح لكنه شديد الانتماء للعائلة. حين نحمل الكأس مثلاً يتكفل وحده بجانب بينما يجاهد أخوته الأربعة في رفع الجانب الآخر. أما الإبن الأصغر فكسول، أنجبته أمه متأخراً فأسرفت في تدليله وهكذا نشأ في طيشٍ ومرح، وقد أدرك مبكراً أن السعادة هنا والآن فلم يكبر أبدا. يحتمي بأخوته فيدافعون عنه في كل شجار فلا يلحقه الأذى مع كل لكمة. البنصر يشبه ريكاردو بطل شيطنات الطفلة الخبيثة ليوسا. فتى طيب لا أكثر، تروتسكي حالم، لن يحب غير المرأة التي ستهجره. يضع الدبلة تحت وسادته فإذا استيقظ وضعها في جيبه، حتى يحين النصيب فيضعها ولا ينزعها أبدا مالم يقطع ذلك الأصبع. لن يدرك حتى بعد فوات الأوان كم بدد من فرصة ليكون عازف بيانو أعمى. هذه ...