الفازة الزرقاء
شهقت العاملة في المطبخ خوفًا من صوت الارتطام الذي تناهى إلى سمعها. جرت إلى الصالة فإذا الفازة الزرقاء قد انكسرت وتناثر حطامها على الرخام. ما كانت تخاف أكثر من هذا المنظر فالسيدة قد نبهتها آلاف المرات حتى باتت ترى الفازة في كوابيسها الليلية توشك أن تقع فتلتقطها في اللحظة الأخيرة. لم تكن السيدة بالمرأة المستبدة، بل لطالما كانت في غاية اللطف والحنان إلا عندما يتعلق الأمر بهذه الفازة تحديدًا. تعودت العاملة بعد شهور على القيام بأعمال البيت الشاقة حتى صارت تؤديها بشكل آلي، لكن ما إن تدنو من الفازة الزرقاء لتمسح عنها الغبار حتى ترتعش من الرهبة.
اجتمع أفراد العائلة بعد دقائق لينظروا إلى المصيبة التي نزلت على البيت. جاء الأب أولًا ثم ابنته المدللة ثم الأولاد الثلاثة وكانت الأم -على غير العادة- آخر الحاضرين. أما القط فتغيّب عن عمد إذ كان نائمًا على الأريكة الصفراء حين أيقظه دوي الارتطام. انتصبت قوائمه وتقوس ظهره وسرعان ما أدرك بغريزته أنه يقف في المكان والزمان غير المناسبين. ولما كان لا يملك أن يدافع عن نفسه انسلّ إلى الطابق العلوي قبل أن يراه أحدهم فيتهمّه ظلمًا، ولن تكون هذه هي المرة الأولى.
كان الأب قبل ذلك يمشي على آلة السير التي وضعها في مكتبه ليذكَّر نفسه بضرورة ممارسة الرياضة. ضحكت زوجته في سريرتها حين جاؤوا بالآلة الضخمة إذ ظنتها نزوة صحيةً من نزوات زوجها التي تعتريه في كل عيد ميلاد حتى رأته يمشي عليها كل يوم. لقد أدرك أن كل ما حققه من ثراء لا قيمة له إن هو أصيب بمرض عادةً ما يترصد أمثاله من رجال الأعمال. راعه صوت الانكسار فخرج من مكتبه ليرى الفازة مكسورةً في أرجاء الصالة. تبادل النظرات الحائرة مع الخادمة أو العاملة كما نبهته زوجته مرارا. لقد انقضى زمن السادة والخدم كما تقول، وقد ضحك في سريرته لأن وصف العمل قد تغير فحسب أما الأعباء فبقيت كما هي، بل زادت. لكم أحبت زوجته تلك الفازة وتغنت بها حتى كاد يغار منها. ظل يتأمل القطع المكسورة عاقدًا ذراعيه وراء ظهره. يشعر بالأسى وبعض الراحة إذ حدث أخيرًا ما كان يخشاه.
صادف في تلك الأثناء أن غادرت البنت غرفتها ونزلت من الدرج الدائري تغني وتتمايل من الصبا والدلال حتى رأت ما رأت فنزلت منها الدموع إشفاقًا على أمها التي ما كانت تجلس إلا قبالة الفازة. تتأملها طوال الوقت ولا تشيح بوجهها حتى عندما ينزل المطر. لو تحدثت يوما إلى الفازة لما استنكرت ابنتها، وما كانت لتستنكر أيضًا لو أجابتها الفازة. عندما اقترح الأبناء على أمهم تغيير مكانها ليضعوا التلفاز الجديد رفضت تماما، بل لقد رفضت حتى وجوده في الصالة من الأساس. درجت البنت مؤخرًا على العناية بزهور الفازة محبةً بأمها أول الأمر، ثم صارت تحب الفازة هي أيضًا. وها قد تحطمت.
كان الأولاد يلعبون الكرة في الحديقة ومع ذلك توقفوا لمتابعة المشهد الصامت الذي يُعرض من النوافذ الكبيرة. الأب واجم، والأخت الكبيرة تبكي، والعاملة نكست رأسها وهكذا توقفوا عن اللعب بحدس الصغار حين يدركون أن أمرًا جللًا قد وقع. تلفّتوا في حيرة نادرة لم يسبق لهم أن شعروا بها إلا في عزاء الجدّ حينما كان عليهم أن يتصرفوا مثل الكبار وهو أمر لا يطيقونه ولا يعرفونه أصلا.
لقد علمت الخادمة أن هذا اليوم سيأتي -مثلما سيأتي الموت- وراحت تتمنى كل صباح ألا يكون هذا اليوم هو اليوم. الفازات ليست جامدة تمامًا، وهذا ما لا يعلمه السادة المشغولون بجمال الأشياء ولمعانها فحسب. الفازات حيّة وتتحرك دون أن تثير الانتباه. ليست مسكونة ولكن أمرًا غامضًا يدفعها شيئًا فشيئًا إلى حافة الطاولة، ربما تكون الزخارف أو الرسوم لا تدري بالضبط. قد يمضي شهر أو شهران فلا تتزحزح الفازة من مكانها أكثر من نصف سنتيمتر. وما كانت لتيأس لو ضبطتها العاملة في الصباح وأعادتها إلى منتصف الطاولة إذ ستعاود الفازة المحاولة في اليوم التالي بعزيمة لا يمتلكها حتى الغبار.
يتذكر الأب كيف شهقت زوجته حالما رأت الفازة في متجر الأنتيكات. كانا يقضيان شهر العسل في باريس. قالت أريدها فامتدت يده نحو الفازة فإذا بصوت العجوز الفرنسي يزجره عن لمسها قبل أن يشتريها. كان ثمنها أكثر من ثلاثة آلاف يورو. تردد قليلًا حتى رأى نظرات زوجته -والرجل أكثر ما يكون شهامة وسخاء في شهر العسل- فسارع إلى اقتنائها بل وخرج إلى الشارع يحملها كما يُحمل البطيخ. سرعان ما تناولتها منه فحملتها بنفسها من المتجر إلى الفندق، ومن الفندق إلى المطار، ومن المطار إلى البيت. وهذا ما لن ينساه أبدا.
يدرك زوجها أن الفازة ساحرة حقًا، وإن كان النظر الطويل إلى رسومها يصيبه بالدوار إذ تبدو كأنها تتحرك فعلًا وتتلوى في خدعة بصرية. كان يملأها بالزنابق البيضاء في الأيام الأولى فإذا تفتّحت غمز لزوجته وأومأ بيده في إشارة جنسية لطالما أخجلتها، حتى قالت بصراحة إنها لا تحب هذا النوع من المزاح، أو كما وصفته حينها بمزاح الذكور. أهمل بعدها شراء الزهور إذ كانت في رأيه محض خسارة بل ضرب من التبذير والسفاهة. أن يشتري الباقة فتذبل بعد أيام وتُلقى بعيدًا ليشتري باقةً جديدةً مرةً أخرى. لا بد أن بائع الزهور يظنه أحمق. جاء مرةً بأزهار بلاستيكية فنزعتها امرأته وألقتها بعيدًا وهكذا بقيت الفازة خاويةً من الزهور سنواتٍ طويلة -وقد بدت في الحقيقة أجمل- حتى أبدت البنت اهتمامها وعادت الزهور من جديد.
كلما أقبل المساء جلست الأم تشرب قهوتها قبالة الفازة، تضع ساقًا على ساق كأنها تجلس أمام رسام يرسمها. تتذكر العجوز الفرنسي اللطيف. قال إنه اقتنى وباع آلاف التحف ولم ير في حياته الطويلة أجمل من هذه الفازة الزرقاء. ولما كان زوجها لا يتردد في ملامسة التحف ذكرّه العجوز أن اللمس ممنوع، وقال على سبيل المزاح يمكنك أن تلمسها بعينيك فقط. ثار زوجها وظل طوال اليوم يشتم حتى أدركت زوجته أن حساسية الرجال تفوق ألف مرة حساسية النساء. كلما جاءت سيرة الفازة راح زوجها يغيظها قائلًا إن سوق الأنتيك كله لا يبيع سوى القصص والأكاذيب أما التُحف نفسها فمجرد خردوات. وما كان يتوقف عن استفزازها، وإن كان يتراجع دومًا في اللحظة الأخيرة قبل أن تغضب. يمازحها فإن لم تضحك، سارع إلى الاعتذار قائلًا إنه يمزح. وكانت تقبل الاعتذار بداعي الحب أو الكرم أو الحكمة فقد علمتها الحياة أن رأسها الصلب لو ضربته بالجدار -كما يقال في أوقات الخصام- لانكسر الجدار. لو غضبت حقًا فلن يرضيها أي شيء، لا قلادة ذهبية ولا حتى قبلة على القدمين، مع أن زوجها لا يقبِّل سوى يديها. قبلات الأقدام لا تكون إلا عرضًا حينما ترتفع في الهواء فيطويها لهفًا من جهة إلى أخرى، ولا يفوّت في تلك الأثناء أن يطبع قبلة خاطفة.
كانت الأم تستحم حين انكسرت الفازة فانقبض قلبها. لفّت المنشفة على عجل ونزلت. الماء يتقاطر من شعرها. بدت فاتنة حتى خُيِّل لزوجها أنها لم تتغير طوال عشرين سنة. اشتهاها في تلك اللحظة وخجل من نفسه. مالت امرأته على الفازة تجمع ما انكسر منها. حملتها قطعة قطعة فجرحت أصابعها وسال منها الدم. ولما تقدم زوجها لمعانقتها دفعته بعيدًا. رأى أن يتركها تحزن كما تشاء، ففي نهاية المطاف لن تحزم حقيبتها وتغادر. هل ستغادر حقًا؟ لم يحدث على مرّ التاريخ أن غادرت امرأة من أجل فازة. ولما كان قلقًا للغاية راح يتبعها إلى الغرفة ليطمئن بنفسه.
أعمق من فازة وانكسرت..
ردحذف