المشاركات

أجراس الإنذار..

صورة
كانت المرة الأولى في ساوثامبتون حين تعطل نظام التدفئة بشقتي، فأمضيت الليلة في فندق على أطراف المدينة، تحيط به الأشجار من كل جانب. بدا شديد الهدوء مثل مصحة. قلت من يقيم هنا لا بد أن ينتهي به الأمر ليعيد النظر في حياته، ثم يطلق النار، وبينما أحدث نفسي انطلق جرس الإنذار معلناً عن حريق. كانت أمي تبكي حين ودعتها مسافراً على غير عادتها فخشيت ألا يرى أحدنا الآخر مجدداً. ما إن وصلت مطار ساوثامبتون حتى انزعجت لمنظر الغربان ورأيتها علامة شؤمٍ صريحة بالكاد تجاهلتها مردداً قصيدة هايكو حديثة: "أيها الغراب، لماذا تلبس الأسود دائماً مثل جوني كاش". كان جرس الإنذار يدوّي، وأعلى منه غريزة البقاء التي ذكرتني على الفور بضرورة تجنب المصعد ثم أشارت علي بالخروج من البلكون الذي يطلّ على ملعب البيسبول. كنت في الطابق الأول، قلت بضعة كسور ثانوية أو حتى مضاعفة أفضل بالتأكيد من حروق الدرجة الثالثة هذا إذا حالفني الحظ ولم أتفحم. توقف الجرس بعد دقائق واعتذروا عن الإنذار الخاطئ. المرة الثانية في ماريوت القاهرة، كنت في الطابق الرابع عشر الذي هو في حقيقة الأمر الثالث عشر لولا أنهم...

ربيع فيفالدي..

صورة
عائداً بالقطار إلى باريس من محطة ڤيرنون بعدما صرفت النهار بأكمله في قرية جيفرني متجولاً في بيت مونيه وحدائقه المائية . اغتسلتُ على عجل وخرجت مبللاً إلى شارع القصر حيث حجزت لحفلٍ موسيقي يقام في كنيسةٍ مجاورة . أذهلني من الخارج معمارها القوطي المهيب، وألواح الزجاج الملونة بالداخل . كانت عيناي تقفزان من لوحٍ إلى آخر مثل ولدين في غابة، وكان عليّ ألا أغفل عنهما فيبتعدان كثيراً ويقع ما لا يحمد عقباه .  جلستُ خلف فتاةٍ آسيوية ما إن أومأ فريدريك مورو لفرقته حتى انطلق من الكمنجات ربيع فيفالدي . سرعان ما أسندتْ رأسها على كتف رفيقها فاختلط علي الأمر، من يربت على الآخر . بدا صديقها من الخلف أشبه بحائط، أنظر إليه فيعيد نظرتي مثل كرة . لا يوحي ظهره العريض بشيء، هل ينوي الارتباط بها أم الانفصال عنها؟ على عكس الوجه يبدو الظهر كتوماً وجديراً بالثقة مثل أعمى أصم . تجلس أقصى اليسار سيدة خمسينية، وفي أقصى اليمين وفي الخلف وفي الأمام وفي كل مكان شا...

كوابيس أليفة..

صورة
  كان كابوسها الوحيد لا ينتهي حتى عندما تستيقظ بل ينهض لمرافقتها طيلة اليوم. لا وحوش ولا موتى ولا حروب ولا قيامة. يمكن القول إنه كابوس أليف لولا استمراره، وهذا ما يجعله بالتحديد مزعجاً.  كانت تسمع صوت أقدام أحدهم تدنو منها بخطىً ثابتة حتى توقظها فتبتعد من تلقاء نفسها. لا أثر في الغرفة لولا السكون الغريب الذي يخلّفه بالعادة مغادرة شخصٍ للتو. كان كعب الحذاء يطرق سمعها كما لو أن أذنها من رخامٍ أو باركيه. حدسها يقول إن الحذاء أسود بل ومن ماركة سلفاتوري فيراغامو. لا يقصد اللصوص غالباً  مثل هذه المتاجر الفخمة. هذا شخصٌ لا يخطط لسرقتها كما لا يخطط لقتلها، لو شاء لخنقها أو حزّ عنقها في أول ليلة. تتمنى أحياناً لو يقتلها فترتاح، لكن دون أن يخنقها أو يحز عنقها. لن يحدث شيءٌ من هذا وسيكتفي فقط بمطاردتها في النوم واليقظة.  ودت لو ترى ذلك الشخص، لو تصحو مرةً واحدةً قبل مغادرته لكن المرء لا يصحو بالعادة من الكوابيس إلا متأخراً. تظاهرتْ بالنوم وكادت أن تباغته في إحدى الليالي لولا أنه استدار في اللحظة الأخيرة وعاد من حيث أتى. حاولت اللحاق به، لا لتمسكه بل لتعرف من هو فق...

البيت

صورة
-١- كلما فتح أبي الباب، اندلقت أحشاء البيت. -٢- كان في بيتنا القديم زهرة توليب تحدّق فيها طوال الوقت جدّتي العمياء. لا أدري من زرع التوليب البنفسجي على الحائط. نسيت أن أقول إنها مجرد صورة مائلة إلى اليمين قليلاً، ربما نسيها المستأجر السابق. ظلّت صورة التوليب مائلةً إلى اليمين طوال سنوات، في مأمنٍ من يقظة أمي واجتهاد الخادمة والنظرات الطائشة لجدّتي. أظن لو قام أحدنا بتعديلها في ذلك الوقت لسارعنا في الحال إلى إعادتها مائلةً إلى اليمين قليلاً. -٣- في الخارج، يقف باب البيت مثل حارس، لا يتذكر من طفولته إلا القليل، كما لا نتذكر نحن أيضاً إلا ما يرويه لنا الآخرون من قصصٍ يقضمها النسيان والزمن. كلما تقدّم في السنّ نسيَ أكثر حتى خشيت أن ينكر طفولته كما ينكر الصغار طفولة آبائهم. صار يهذي ويعلو صريره حتى أصابه الخرف واحتجزنا في البيت. حاولنا فتحه ولم نستطع، فركلناه أكثر من مرة حتى انكسر وما عاد ينغلق أبداً. كلما عدت إلى البيت وجدته موارباً يدعو اللصوص إلى الدخول، وعندما أعاتبه يقول إنه يحنّ إلى اليوم الذي لا يدخل ولا يخرج منه أحد. -٤- في الداخل، كرسي هزاز تهشم منذ سنوات. كلما ألقي...

أمستردام أول مرة..

صورة
يا للغرابة التي اعترتني حين نزلت أمستردام أول مرة، فكأن القطار قد أوصلني إلى إحدى لوحات انتونيو سقي الكرتونية. بدت الأشياء كبيرةً جداً وصغيرةً جداً في الوقت نفسه كما لو أني أكلتُ فطر أليس فغدوت أطول من البيوت المائلة وأعرض من القنوات المائية. ثمة خفّة لا يمكن التعبير عنها إلا بطريقة القديس أوغستين حين سُئل عن الزمان: "إذا سألتني فأنا لا أعرف الإجابة، أما إذا لم تسألني فأنا أعرف." المباني صغيرة وملمومة فكأنها بُنيت دفعةً واحدة، يتراوح عرضها بين متر ونصف وستة أمتار. من الصعب جداً إخفاء كنزٍ أو سرّ هنا. أظنهم يتبادلون الأسرار بلغة إشارةٍ مشفرة. النوافذ طويلة على الطراز الفرنسي. ربما خيّل لك أنهم لا يزرعون غير الصفصاف لكن الأكاسيا هنا والدردار وأشجار أخرى لو أمعنت النظر. التماثيل وحيدة، تخيط دموعها العناكب. هذا بلد المليون دراجة، هكذا تزعم الإحصائيات التي تؤكد على أن عدد السكان قرابة ٨٠٠ ألف نسمة لذا يبدو غريباً بعض الشيء أن يقيّدوا دراجاتهم مخافة السرقة. فلتُسرق! لم لا؟ لو كان كالفينو عمدة أمستردام لجعلهم يسرقون دراجات بعضهم البعض كما فعل في بلدته القصصية حيث ال...

ثلاث قصص قصيرة جداً لدان رودز

صورة
ترقُب بشعرها الأشقر الطويل، وبشرتها البيضاء كالزنبق، وشفاه كيويبد المقوسة بدت ماريديل مثل ملاك. بطبيعة الحال كنت سعيداً بحملِها لولا عيون الطفل الضيقة التي وشت بخيانتها. اعتذرتْ وسامحتها. سرعان ما حملتْ وأخذنا نترقب مرةً أخرى ولكن الطفل كان بني اللون كالبندق. لم أتفوه بكلمة، بدت في منتهى الروعة والخلاسي الصغير ممهداً على ذراعها. ما كنت لأخاطر بفقدانها. قلتُ: "أخيراً، طفلنا نحن." قبلة واحدة فقط من ذلك الفم الكامل أعادت الأمور إلى  نصابها. فوجي تبدو يولنثي مثل جبل فوجي، فخمةً ومغوية من بعيد وما إن تقترب منها حتى تخيّب أملك. كلما أتى خطّابها بالورود والغيتارات الإسبانية أسررت لهم بذلك. عندما لا تسمعني أقول لهم: "ستندمون إذا قربتموها منكم". يظنون أني أهددهم فأهمس قائلاً: " أعرف إنها شديدة الجمال لكن ما إن تعرفونها عن قرب حتى تجدونها في الحقيقة فتاةً عادية". يسألوني مادام الحال هكذا لماذا لا أتركها. أتأتئ مرتبكاً، لا أعرف كيف أبرر الأمر. قِطع ‎اختطفوا صديقتي وطلبوا مبلغاً ضخماً من المال قبل أن يعيدوها. كنت ممتناً لهذا السلام...

ضمير ـ إيتالو كالفينو

صورة
جاءت الحرب، وجاء رجلٌ يدعى لويجي يسأل ما إذا كان ممكناً التطوع. أثنى عليه الجميع، وذهب لويجي حيث يسلّمون البنادق. أخذ بندقيته ثم قال: "والآن سأذهب لأقتل المدعو ألبرتو." سألوه من يكون ألبرتو. فأجابهم: " عدو"، وأضاف " عدوي أنا." فأوضحوا أنه من المفترض به أن يقتل أعداءً من فئةٍ معينة لا كل من يود قتله. "إذن؟" قال لويجي، " تظنون أني أحمق؟ ألبرتو هذا تحديداً من تلك الفئة. إنه منهم. عندما بلغني أنكم ستحاربونهم فكرت في مرافقتكم، وهكذا أستطيع أن أقتل ألبرتو. لهذا جئت، أعرف ذلك المحتال. لقد غدر بي لأجل أمرٍ تافه، وجعلني أبدو أحمق أمام تلك المرأة. الحكاية قديمة جداً، إذا كنتم لا تصدقونني سأحكيها لكم كاملة." قالوا: حسناً، لا بأس. " والآن؟ سأل لويجي، " أخبروني بمكان ألبرتو وسأذهب للقتال هناك." فأجابوه بأنهم يجهلون مكانه. " لا بأس " علق لويجي، " سأجد عاجلاً أو آجلاً من يخبرني بمكانه فألحق به." أخبروه بأن ذلك ممنوع، عليه أن يحارب حيث يرسلونه، ويقتل كل من يصادفهم هناك، فهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الألبرتو. ...