المشاركات

رأيت فيما يرى النائم

صورة
  رأيت فيما يرى النائم يدًا تندفع من باطن الأرض مثل فسيلة، وحين مددتُ يدي نحوها تشبثتْ بي كما لو أنها لغريق، ولم تفلتني حتى خشيت أن تغرقني ما لم أساعدها. جاهدتُ في البدء حتى أنتزعها ثم جاهدت لأنتزع يدي منها، وفي هذه الأثناء انشقت الأرض فصعد الرجل، وبعد دقائق تبعهُ رجلٌ آخر. أخذ الاثنان ينفضانِ عنهما التراب حتى أوشكت عاصفةٌ من الرمل أن تطمرنا نحن الثلاثة.   كان الأول أبيض، وبالرغم من حاله الرث بدا عليه سمت الملوك والأباطرة، أما الآخر فأسود أنجبته الشوارع الخلفية على عجل. تنحنح الأبيض الذي عرفت فيما بعد أنه الاسكندر الأكبر فظننت أنه سيردد ما يشبه: "وقد طوّفتُ في الآفاقِ حتى.. رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ"، ثم تنحنح الأسود الذي سرعان ما تبين أنه محمد علي كلاي، فأيقنتُ أن حديثه لن يبتعد عن هذا البيت: "وعدتُ من المعاركِ لست أدري.. علامَ أضعتُ عمري في النزالِ".    قلتُ سيتنادمانِ الآن مثل سكيرين، لا بد أن لديهما الكثير مما يرغبان في قوله بعد أن تمكنّا أخيرًا من مغادرة العالم السفلي، خصوصًا الاسكندر فقد قضى زمنًا طويلًا هناك، غير أنه قال: "أيها العبد،...

مدريد أول مرة

صورة
عندما زرت مدريد أول مرة حرصتُ على زيارة حلبة الثيران في اللاس فينتاس أكثر من المثلث الفني للبرادو، وما إن هبطنا في مطار بارخاس حتى انطلقت إلى كشك التذاكر.  كان البائع لا يجيد الانجليزية ولا حتى الانجليزية الركيكة التي ادعى ماركيز أنها اللغة العالمية، فعلى حد قوله لو أن أحداً تحدث الانجليزية بشكل مقبول لما وجد من يفهمه. حدثني البائع بالأسبانية ثم بالإشارة وأخيرًا باليورو، أما أنا فركنت إلى كلمةٍ واحدة فقط "لا"، وكم بدت منيعةً مثل حصن. يلوذ بها المرء فلا يقطع وعدًا ثم يخلفه، ولا يفتح بابًا للريح ولا الشيطان ولا الندم. وقد سبق وحذرنا رجال الدين من ألسنتنا التي تقودنا إلى الهلاك بالرسن تارة وبالرائحة تارةً أخرى وأكد على ذلك رجال المافيا بمقولتهم الشهيرة: "الفم للصمت وليس للكلام". ما وُضِع اللسان في الفم إلا ليبقى هناك فإن خرج وقعت الكارثة شأنه في ذلك شأن الرصاص في المسدس، والمسدس في الجراب. ولما طال وقوفي عند الكشك تطوع أحدهم فأوضح أن المدرج نصفه مشمس وتذاكره هي الأرخص والنصف الآخر تحت الظل وهو الأغلى وبينهما بعض المقاعد التي لو صبرت قليلًا سيلحقها الفيء و...

رنا..

صورة
في الطريق إلى محافظة الخرج جنوب شرق الرياض. المسافة أقل من ١٠٠ كم ولو غنى محمد عبده لصارت ٥٠ كم. الطريق ينبسط مثل راحة يد، لا جبال ولا أودية، فقط بعض المنعرجات حتى لا يداهمنا النعاس.  يقود زميلي سيارة العمل وأحدق في النافذة مثل سجين. مصانع ومزارع ومحطات وقود ومدينة ألعاب مهجورة. "وتلفتت عيني فمُذ خفيتْ عنها الطلولُ تلفتَ القلبُ". كانت هذه الملاهي ومثيلاتها حلم الطفولة، كنا صغارًا حين حضّني ولد الجيران على سرقة أبوينا، قال مئة ريال تكفي، ولا أتذكر ما الذي منعني بالضبط. أهو الخوف أم تربية أبي أم جيوبه الخاوية. محدقًا في النخيل، تبدو نخلات الخرج، على غير العادة، قصيرات كأنهن بنات اليوم. ينبغي للرجل أن ينحني بشدة لملامستهن كما ينحني أمام الثلاجة لتناول الكولا من الرف السفلي. لقد كذب درويش حين جاملهن ولعله يحاسب الآن حسابًا عسيرا.  كتب أحدهم "رنا" على جدار بيت. كتبها أيضًا على سور مزرعة. رنا البستان والسكنى، أظنه كتبها على جدار مسجد ولم يلبث أن خاف فشطب اسمها وهو يستغفر. لا بد أن يحب الرجل رنا واحدة على الأقل في حياته فإن لم يجد فلا بأس لو أحب رشا. ...

قصة لكارن بلكسن

صورة
يحكى أن رباناً أطلق على سفينته اسم زوجته. في مقدمة السفينة، كان تمثال الزوجة منحوتاً ببراعة، مثلها تماماً، والشعر مطليًّا بالذهب. غير أن الزوجة كانت تغار من السفينة، تقول إنه يفكر في ذلك التمثال أكثر مما يفكر فيها. أنكر زوجها قائلاً: " أفكر فيها كثيراً لأنها تشبهك، لأنها أنتِ. ألا تبدو ساحرة ومثيرة؟ ألا ترقص على الأمواج كما كنتِ ترقصين في حفل زفافنا؟ حتى أنها بشكلٍ أو بآخر تبدو أكثر لطفاً منكِ. تمضي حيثما أقودها وتترك شعرها يتدلى حراً بينما ترفعينه تحت قبعتك. ولكنها تعطيني ظهرها، ولهذا كلما رغبتُ في قبلةٍ عدت إلى البيت في إلسينور". وفي إحدى المرات، حين كان الربان يحمّل السلع في ترانكبار. صادف أن ساعد ملكاً كبير السنّ، من أهل البلاد، في الفرار من بعض الخونة. وعندما افترقا أهداه الملك حجرين أزرقين ثمينين، فقام بوضعهما في وجه التمثال مثل زوجٍ من العيون. ولما عاد إلى موطنه أخبر زوجته بتلك المغامرة، قال: " والآن صارت لها عيناكِ الزرقاوان أيضاً. " فقالت: " كان من الأفضل لو أهديتني تلك الأحجار لأجعلها أقراطًا لي." رفض زوجها: " لا أستطيع أن أف...

خمس قصص من مجموعة "العالق في يوم أحد".

صورة
( حوادث الأيام )    أطلُ من النافذة على أيامي.   يقود الثلاثاء بحذر رجلٍ في الستين سيارةً من طراز تويوتا، لا يتجاوز السرعة القانونية، ويلتزم بتعليمات المرور. أما الأربعاء، فيقفُ خلفهُ في محطةٍ ليتزود بالوقود وبعض الحلويات والمشروبات الغازية.   أكاد أسمع هدير محرك البورش ليوم الخميس، سيقودها باستهتار شابٌ وسيمٌ يُشبه جيمس دين. يبدو أنه هو فعلاً إذ يلقى مصرعهُ كل مرةٍ بعد أن تنكسر عنقه إثر حادثة ارتطامٍ بسيارةٍ أخرى. ربما كانت الجمعة، أظن أن تلك السيارة تخص طليقتي. لا أدري لماذا تتعمد هذا الحادث نهاية كل أسبوع، ولا أدري لماذا لا يتفاداها هو الآخر. سئمتُ من تنبيهه كل مرة، ألوح بيدي محذراً ولكنه يزيد من سرعته كلما اقترب من هذا التقاطع. ألا تكون المشكلة في المكابح؟   كلما هاتفت طليقتي متوسلاً بأن تتجنب الارتطام بأيامي، تغلق الهاتف، أو تعطيه زوجها ليشتمني ويهددني بالقتل.   ستأتي الجمعة للأسف بعد فوات الأوان، مثل سيارة إسعافٍ متأخرة. أما الأحد فعربة مصفحة تحيط بها من الأمام والخلف مركبتان للشرطة: السبت والاث...