المشاركات

من أحلام عبدالقادر وساط..

صورة
رأى الشاعر والقاص عبدالقادر وساط، فيما يرى النائم، أن آلاف الرسائل تحيط به واقفةً من كل جانب مثل سكارى في زقاق. ولما كان ينوي الخروج من مقر جريدة الاتحاد الاشتراكي، أزاح بعضها بما يسمح لجسده بالمرور، وفي هذه الأثناء انتبه إلى أن الرسائل تخلو من اسم المرسل ومدينته. فض إحدى الرسائل وأخذ يتمعنها طويلا، ثم فض رسالةً أخرى وثالثة وهكذا حتى بلغ الرسالة العاشرة ثم توقف. صار من السهل عليه أن يخمن ما تقوله بقية الرسائل إذ كان أغلبها لا يتجاوز سطرا واحدا، بل هو السطر نفسه في كل رسالة، حتى الرسائل الطويلة لا تعدو أن تكرر ذلك السطر: "بَلينا وما تبلى النجوم الطوالع". وحين خرج إلى زنقة الأمير عبدالقادر لم يجد الزنقة ولا الأمير. هالهُ أن رأى فوق كل حبة رمل ناطحة سحاب. أغمض عينيه فعادت الزنقة واختفت ناطحات السحاب، لكن الناس راحوا يسيرون عبر الجدران، بل ويعلقون الصور في الهواء فكأنهم يقيمون في قصيدة لنيرودا لا في الدار البيضاء. أسلم نفسه لقدميه كما يسلم الفارس الجريح نفسه لجواده الأصيل فيحمله إلى البيت.  حملت قدما عبدالقادر، من تلقاء نفسها، سي عبدالقادر إلى الكاردينال، ولم...

وقفة أنخل بينثون - خوان رولفو

صورة
توقف أنخل بينثون في المنتصف حيث يتفرع الطريق إلى أوثوماثين عبر فتحة ضيّقة تفضي إلى مزرعته للماشية "لاس بيرخينس". مسح عرف الحصان، ورمى، تحسُبًا، قبعته العريضة خلفه، كي يتثبتوا من هويته، إذ أخبره حدسه بعد سنواتٍ وسنوات من اليقظة والانتظار أن ما لا يقل عن أربعة أو ستة أشخاص، وربما أكثر على وشك أن ينقضّوا عليه في ذلك المكان. لم ير أحدًا منهم، ولكن كان بمقدوره تقريبًا أن يستشعر أنفاسهم. ثم إنه لطالما خمّن حدوث هذا عاجلًا أم آجلًا، فإن لم يكن هناك فلا بد أن يقع في مكانٍ آخر. ما عجز عن فهمه هو السبب الذي يدعوهم إلى الانتظار كل ذلك الوقت، فحتى الحصان بدا ضجِرًا، يحرك رأسه في غيظ ويدور حول نفسه مبديًا رغبته الصريحة في ورود المنهل. وقف أنخل بينثون أخيرًا على الرِكاب وصرخ حتى يسمعه الجميع: "فلننهِ هذا الأمر يا أبناء القحبة، أطلب منكم فقط ألا تطلقوا الرصاص على رأسي! خراء على أم من يفعل ذلك! هل سمعتموني؟". انهمر الرصاص في الحال من مختلف الجهات. يضربه من الخلف ومن جنبيه، دون أن يُصيبه من الأمام أو يمس الحصان المذعور، الذي اندفع مباشرةً نحو فتحةٍ في الجدار، كأن غري...

في مديح الثعلب..

صورة
لطالما أحببت الثعلب، أقدم الخارجين عن القانون. الثعلب الأحمر تحديداً، لا الرمادي، وقطعاً ليس الأسود الذي مشى إليه داروين ودق رأسه بكل سهولة وحسن نية. يمكن للثعلب أن يكون أي شيء إلا أن يكون أبله. أما الثعلب الرمادي فيتصرف كقاطع طريق، وكما لا يخفى على أحد ينتهي الأمر دومًا بقطاع الطرق نهايةً دموية، رصاصة في الظهر كما حدث لجيسي جيمس أو ١٦٧ رصاصة كما حدث لبوني وكلايد.  أحب في الثعلب الأحمر مخيلته الواسعة -كم خسرنا بنفوره من الأدب- فهو يصطاد حتى الطيور التي يمكنها النجاة فقط لو ارتفعت قليلاً عن الأرض. يصطاد حتى الغراب مخترع الحذر، ولعلي أتذكر هنا القصة الشهيرة للغراب الذي أراد أن يحذِّر ابنه من الإنسان، وكم كان على حق، فراح يحثّه على الطيران بمجرد أن يرفع الآدمي يده التي قد تحمل سلاحا أو حجرًا أو سبابة بذيئة، لكن الغراب الصغير بدا غير محتاجٍ إلى نصيحة الأب إذ قال: بل أطير حالما يُقبِل. يتظاهر الثعلب بالموت فيستدرج الغراب بعبقرية حتى إذا أراد أن ينقر عينيه انبعث بغتةً من العدم والتهمه. والثعلب لا يدفعه الجوع للانقضاض على فريسته مثل أي حيوان، بل يحملها فوق صدره مثل نيشان، وهو ...

الشيخ الذي أراد أن يختبر كروية الأرض..

وقف الشيخ واعتمر قبعته بعدما دسّ في البقجة خمس تفاحات وثلاثة مراهم ثم اتكأ على عصاه والتفت فبدا بلحيته البيضاء الطويلة مثل تولستوي. تنحنح ثم قال إنه سيختبر كروية الأرض بنفسه، فإن كانت كما يزعمون، ما عليه سوى أن يمضي في طريقٍ مستقيم فلا يحيد عنه يمنةً أو يسرة حتى يقطع الأرض كلها فينتهي به المطاف هنا، وأشار بسبابته إلى باب البيت. أوصى ابنه البكر والوحيد أن يعتني بأمه ريثما يعود بالخبر اليقين. قال إنه لن يغيب أكثر من سنة أو سنتين في حال كانت الأرض كروية أما إذا كان الأمر غير ذلك فليرحمه الله. لم يأخذ في الحسبان شيخوخته ولم يتفكر قليلا في الصهد والضواري وقطاع الطرق والجبال والحدود والمحيطات واستحالة الفكرة من الأساس بل وسخافتها، بدا مثل حاجٍ لا همّ له إلا أن يتطهر.  كانت العجوز تعجن كعادتها كل صباح، وتنصت ضاحكة إلى أن جاء ابنها يتألم معلنًا أن أباه قد جُن. قالت مؤكدة: "منذ أمدٍ بعيد، بل أظنه وُلِد مجنونًا" وراحت تحدثه عما قاست من أبيه طوال تلك العقود وكيف تكتمت على جنونه مخافة أن تشمت بها الجارات، ويشمت أبناؤهن بولدها، ثم أخذت تسأل الله أن يحفظ شبابه وعقله. وحين رأت أن اب...

مارغريت..

صورة
زرت العام الماضي لأول مرة الكورتولد غاليري قبل أن يوصد أبوابه لثلاث سنوات بداعي التحسينات. تهندمت للقاء عارية مودلياني -رغم أن العري يبعث العري كما يبعث الأسى الأسى- وقد كانت عاريته النائمة على جنبها الأيسر قد بيعت للتو بأكثر من ١٥٠ مليون دولار. ضحكت حينما تذكرت قصةً لكورتاثار يغرم فيها أحد حراس المتحف بتمثال امرأة، ثم يكبر بطنها بعد أشهر. قلت لنجرب، ولما دخلت الكورتولد وسألت عنها، قالوا سافرتْ إلى متحف بلفاست. فتشتُ الطوابق الثلاثة بغيرة عشيق مخدوع فلم أجدها، وتذكرت كم طفت المتاحف لسنوات بحثًا عن عاريات غويا. قلت هذا حظي مع العاريات، ولو قصدت الآن شاطئا للعراة لاستتر الجميع ثم سافروا هم أيضًا إلى بلفاست. وفي هذه الأثناء انتبهت إلى عارية غوغان، خلاسية من جزيرة تاهيتي. اقتربت منها ورددت ما كان يردده عبدالوهاب كلما مر تحت شباك عزيزة ابنة الجيران: "أجولييت ما هذا السكوت؟!". لزمت عارية غوغان الصمت كما لزمته عزيزة، ولو ردّت لما ألّف لها عبدالوهاب مقطوعته الشهيرة المسماة باسمها. من نافلة القول إن المقطوعة الراقصة بديعة، وهي من المهارات الأساسية للرقص الشرقي.  رجوتُ...

عبدالعزيز..

صورة
لو سُئلتُ عن طول بال عبدالعزيز لقلت إنه أطول من طريق الشمال أو ١٥٠٠ كم تقريبا. فهو لا يغضب عندما تتأخر عليه، وهو لا يغضب عندما ترجئ اللقاء إلى الغد من دون أن تعتذر، وهو لن يغضب أيضًا لو أخلفت موعدك في الغد أو حتى لو أخلف الغد موعده. لئن راح بارتلبي يردد بين الفينةِ والأخرى: "أفضّل ألّا"، فإن عبدالعزيز يردد طوال الوقت: "لم لا؟".  ترجوه أن يقلع عن التدخين، فقد قتلت السجائر أباه من قبل. يترحم عليه مرددًا صدقت بينما يطفئ سيجارته ثم يرمي علبة السجائر في القمامة. وبعد دقائق، يأتي ابن عمه ويمد له سيجارة فيشعلها ثم يترحم على الراحل "ترحيمةٍ تودع عظامه جدايد" كما تمنى الخلاوي. قد يبدو لكم متناقضًا وإن كنت أراه غير ذلك. لم لا يدخن؟ لم لا يقلع عن التدخين؟ لم لا يدخن؟ لم لا.. سيّان عند عبدالعزيز، فالسبب الذي يدعوه ليُقبِل على أمرٍ ما هو ما يدعوه أيضًا ليعرض عنه. كنا ندعوه "أبو شافي" لأن أحد شيوخ العائلة دعاه كذلك، وقد كان الشيخ شبه أعمى فلم ينتبه إلى أنه مجرد طفل سمين وليس الرجل المعني. وهكذا ظهر أبو شافي وغاب عبدالعزيز، وقد جرت العادة هنا ...

في مديح التنورة القصيرة..

صورة
كانت أول محاولة طيران ناجحة لتنورة في ٢٠١٢، في العام الذي تنبأت فيه المايا بنهاية العالم، وقد صدقت النبوءة هذه المرة ومات أبي. سافرت بعدها إلى مدريد، وأقمتُ في أحد فنادق غران فيا، خلفي ساحة باب الشمس وليس بعيدًا عني مثلث البرادو. أمشي في الساحة فأجد مبنى حكومي أحمر، ربما كان البرلمان أو البلدية، وفي الطريق تستوقفني البغايا من الصباح الباكر فأرد بالجملة الإسبانية الوحيدة التي أعرفها: "نو انتينديو" أي لا أفهم، فيجربنَ الحديث معي بلغةٍ أخرى لأعيد لهم تلك الجملة مرةً أخرى حتى انتبهت إحداهن فقالت بالعربية وهي تعلك مثل زينات صدقي: "يا حبيبي" فضحكتُ مرددًا: "نو انتينديو". أنعطف إلى اليمين فأصل إلى بلازا مايور أو إلى اليسار فأجد مبنى مهيبًا بأعمدةٍ أغريقية. أخمن أنه للقضاء، وأتذكر الجار الجديد الذي نصب في واجهة بيته عمودين كبيرين مثل هذه الأعمدة. لا أدري كيف يعيش الأبناء في بيتٍ له شكل محكمة. أتخيل الأب ينتظر أطفاله في الظهيرة، ممسكًا بالمصحف، وما إن ينزلون بحقائبهم الملونة من باص المدرسة حتى يجعلهم يقسمون على قول الحق ولا شيء غير الحق.  طارت...