المشاركات

كانت تعيسة - خوان خوسيه ميّاس

صورة
عندما كنت صغيرة، في سنوات طفولتي المبكرة تحديداً، أدركت بأن البشر يمتلكون موهبة الشقاء أكثر من امتلاكهم موهبة السعادة. لذا كان يروق لي منظر الرجال والنساء وهم يكافحون في شبابهم لبناء مستقبلٍ سعيد. وعندما يأتي المستقبل بكل عفوية يكون خالياً من البهجة وغنياً بالبؤس، مما يجعلهم يسقطون في كآبةٍ عميقة، وبما أنهم قد هيّئوا أنفسهم للسعادة لم يعد بوسعهم التعامل مع الشقاء. كان والداي تعيسين جداً، لا يتبادلان أي عاطفة على الإطلاق، ويتجادلان طوال الوقت حول الأمور التافهة. لا زالت بعض مشاجراتهما محفورة في ذاكرتي.  "يوماً ما سأقتل نفسي." كانت والدتي تقولها مسحوقةً تحت وطأة المشاكل العائلية وبكاء أخويّ الصغيرين.  "حسناً، أخبريني في أي يوم؟" وتابع بكل ازدراء "في الأسبوع القادم عندي رحلة عمل وسأكون بعيداً عن المنزل ابتداءً من يوم الاثنين حتى الخميس." "لقد أنهكَتني تلبية حاجاتك، سأختار اليوم الذي يلائمني ولا يمكنك التكهن به". "لماذا لا يكون الجمعة؟ عندما تزورنا والدتك فتعتني بالأطفال." "أكره أن تسدي لي والدتي معروفاً." ...

ست قصص قصيرة جداً لإنريكي اندرسن امبرت

صورة
-١- "إبتهِج! لقد تحققت أمنيتك! ستكتب أجمل القصص في العالم، ولكن لن يقرأها أحد". -٢- أفرغ الرجل مسدسه في عدوه البشع. خمس طلقات. ضغط الزناد مع ذلك مرةً أخرى. بدا عاجزاً عند سماعه لسلاحه الفارغ. والآن، وحيداً مع الجثة هاهو يشعر بالخوف. -٣- أخبرته بأنني لا أؤمن بالملائكة.  أجاب: "لأنه ليس لديك ملاكٌ حارس، أما أنا فعندي". التفتَ وراح يأمر شخصاً غير مرئي: "إصبعك يا رازيل".  ثم خلع قبعته وتركها معلقةً في الهواء. -٤- فشل ناثانيل في أن يكون كاتباً وقرر أن ينتحر. عبأ مسدسه وتركه بجانبه على الطاولة، وبدأ في كتابة رسالة الوداع. طالت الرسالة، وأشرقت وتنفست وعاشت. إنها تحفة، التحفة التي لطالما تاق إليها! ولكي ينشرها لم ينتحر ناثانيل. -٥- باح روبرت بسرٍ لباسيل، فوعده باسيل بعد سماعه أن يبقى صامتاً مثل قبر، وهكذا نشأت بينهما صداقةٌ عظيمة. ومنذ تلك اللحظة صارا معاً على الدوام. يتحدث روبرت وينصت إليه باسيل. ومع الوقت، صار باسيل أكثر صمتاً وتجويفاً. وفي أحد الأيام، انتبه روبرت بشيء من القرف أن باسيل قبرٌ في الواقع، وأن عينيه المفتوحتين م...

أبناء اليد..

صورة
  إذا كانت الأصابع الخمسة أبناء اليد فلا بد أن مصير هذه العائلة مرهونٌ بالسبابة، لا بابنها الأكبر. فالأصبع الأوسط كما لا يخفى على أحد مشغول بوسامته ومغامراته، وله تاريخٌ طويل من المجون والبذاءة، وغالباً ما سينتهي به الأمر مطعوناً في زقاق. أما الإبهام فلا يصلح لأكثر من مراجعة الدوائر الحكومية وعدّ النقود. ربما يساعد في حراسة المرمى. ينسى دائماً بَصمته هنا وهناك، ليس ذكياً صحيح لكنه شديد الانتماء للعائلة. حين نحمل الكأس مثلاً يتكفل وحده بجانب بينما يجاهد أخوته الأربعة في رفع الجانب الآخر. أما الإبن الأصغر فكسول، أنجبته أمه متأخراً فأسرفت في تدليله وهكذا نشأ في طيشٍ ومرح، وقد أدرك مبكراً أن السعادة هنا والآن فلم يكبر أبدا. يحتمي بأخوته فيدافعون عنه في كل شجار فلا يلحقه الأذى مع كل لكمة. البنصر يشبه ريكاردو بطل شيطنات الطفلة الخبيثة ليوسا. فتى طيب لا أكثر، تروتسكي حالم، لن يحب غير المرأة التي ستهجره. يضع الدبلة تحت وسادته فإذا استيقظ وضعها في جيبه، حتى يحين النصيب فيضعها ولا ينزعها أبدا مالم يقطع ذلك الأصبع. لن يدرك حتى بعد فوات الأوان كم بدد من فرصة ليكون عازف بيانو أعمى. هذه ...

كامل الشناوي

صورة
‏ منذ أعلنت دار الكرمة عن إصدارها ليوميات كامل الشناوي وأنا أغرق في شبرٍ من الحنين دون أن أطلب النجدة، دون أن أحرّك ذراعي أو قدمي، وما كنت لأصحو في سريري كل صباح لولا أن جذعًا من الحنان ظل يحملني طوال الليل.  كأن دار الكرمة ألقت على وجهي رزمةً من السنين فارتدّ عام ١٩٩٥ وعدت مراهقًا يردد قصيدة الشناوي: "آمنتُ بالحب في عروقي.. بالظنِ بالشوكِ باللهيبِ.. آمنتُ آمنتُ يا حبيبي.. آمنتُ فاغفر إذن ذنوبي.. يا فتنة الروح ما لروحي.. تضِل عن عفوك الرحيبِ.. كم راعها الدهر في صباها.. بكل قاسٍ من الخطوبِ.. ورُعتها بالصدودِ ويلي.. أأنتَ والدهرُ يا حبيبي؟! أينقضي العمر بين أهلي.. وأشتكي لوعة الغريبِ" رحت أدندنها على لحن السنباطي "أغارُ من نسمة الجنوب" ربما لأن القصيدتين تسبحان في البحر نفسه، وتتشاركان القافية نفسها بل وحركة الروي. أرددها فأنتبه أن كامل هو من علمني هذه العادة، طلب المغفرة، وهكذا رحت أسأل حبيبات الزمن الماضي أن يغفرن لي بمناسبة وبدون. لا بد أنني بدوت حينها أكثر بلاهةً من الأمير ميشكين.  لئن أخفق كامل في تعليمي الشعر إذ لم أكتب آنذاك أكثر من هذه السخافا...

ست الحبايب..

صورة
في رأسي راديو قديم ماركة باناسونيك. لا أدري ما لونه، ربما كان أسود، فإذا كان كذلك فلا بد أنه يخص جدتي. كان ينام بجانبها مثل طفل، فإذا انشغل الجميع راحت تلكزه لينقل أخبار العالم.  أدرتُ إبرة الراديو الذي في رأسي ريثما أنتهي من صنع القهوة. كانت فايزة أحمد تغني "آخد حبيبي أنا يمه" وتستحلف أمها ألا تقطف الوردة من قلبها. زعمتْ أن حبيبها هو من غرسها بنفسه، وهذا ما دفع الأم إلى الشك في ذلك البستاني الزائف. لقد انخدعت هي أيضًا من قبل حتى تعلمت أن وردة اليوم هي أفعى الغد. ما كانت لتنجو مرةً تلو أخرى لولا أن للقلب، كما هو شأن القطط، سبعة أرواح. ما إن يخفق القلب حتى يغدو قطة سمينة خرقاء ثم تكون النهاية التي نعرفها.  لم أحب فايزة يومًا، بل لطالما استنكرت محبة الناس لها. ومع ذلك، لم أغير الإذاعة، فقد اعتراني الفضول لمعرفة ما سيحدث بين الأم وابنتها. تبين للأسف أن فايزة سرعان ما فقدت المتبقي من عقلها إذ راحت تغزل مثل بينلوبي طاقية لذلك الغريب. طالت لياليها فبدت مثل ليالي النابغة بطيئة الكواكب أو ليالي امرئ القيس التي شُدت فيها النجوم بحبالٍ إلى جبل يذبُل. وهكذا لطمتُ رأسي فل...

فرمان علي

صورة
يبيع فرمان الفول في الحيّ منذ زمنٍ بعيد، قبل أن يولد. لا ينسى رغم الشيخوخة أن يضع ربع ليمونة ونصف بصلة و"صباح الخير" في الكيس. تبدو يده العريضة تابعةً لجرّة الفول لا لجسده. أظنه يعود كل ليلة بالجرّة إلى البيت، أو يعود من غير يده، يتركها تنام هناك بداخل الجرّة. تصحو يده الخشنة في الصباح لتطبطب على أكتافنا قائلةً ما عليش. أواظب على زيارته كل جمعة كأنه قبر أبي. يثير أحدهم اللغط عند الخباز المجاور -إذ لا قيمة للفوال هنا بدونه- فيتلفت الزبائن بفضول وحسرة على زمنٍ كنا نبدي فيه الاحترام الكافي للتميس. ما الذي حدث؟ كان للتميس منزلة كبار السن. أي قاعٍ جديد سنهوي إليه! ما ظنناه قعر الهاوية بدا قمة هاويةٍ أكبر.  يعودون إلى أطباق الفول، وأعود معهم. الفول على الطاولة والفيل في رأسي. ليس فيلاً واحدًا بالضبط بل اثنين. فرّ الأول من أدغال إفريقيا والثاني من المجاز. قالا بغضبة زوجةٍ شابة وبصوتٍ واحد: "لن نعود أبداً"، وبحكمة الآباء الطاعنين في السنّ مثل لبيد قلت: "لا بأس". ظننت أنهما سيبقيان لبعض الوقت ثم سيذهبان من تلقاء نفسيهما أو تكبّر إفريقيا عقلها وتعت...

أرشد جاويد

صورة
ثلاثة تحملوني في هذه الحياة: عائلتي وأنا -نعم أنا، من يزعم منكم أنه لا يتحمل نفسه؟- وأرشد الحلاق الذي انحدر من جبال باكستان إلى الساحل الشرقي. كنت آنذاك مراهقاً يحلم بشاربٍ كث يشبه شارب أبي ولكن بعض الأحلام لا تتحقق رغم بساطتها. قلت بعد عشر سنوات الحمد لله فأنا لست أمرد على الأقل. لكنني أخذت أكدس سخطي على عشرات الحلاقين: عبدالرحيم، وأرشد، وسليم، ومراد التركي، وتيري الانجليزي، وأرشد مرةً أخرى، وسيدة برشلونية تعمل في زقاقٍ غير بعيد من أوبرا ليشيو أوشكتْ أن تقتلع شاربي بأكمله ولما أبديت امتعاضي شتمتني بالكاتلونية أو لعلي كنت أتوهم فرددت عليها بالعربية تحسباً، وحلاقين كثر لا أتذكرهم ولا يتذكروني.  السيناريو نفسه كل مرة. أخلع النظارة فلا أرى شيئاً حتى ينتهي أرشد من الحلاقة فأطلب أولاً المرآة الصغيرة فالكبيرة ثم أعود للصغيرة مرةً أخرى. امممم قص هنا شوي، شوي بس، كأن هذا أطول، قصّره، مو هذا هذاك حتى أختم بالقفلة المعتادة: "بس خلاص لا تخربه أكثر." وفي لحظة صدق نادرة تساءلت ألا تكون العلة في الشارب نفسه؟ لكنني أتذكر جيداً أنني خرجت مرةً أو مرتين راضياً عن الحلاقة....