الخميس، 25 فبراير 2016

القسّ بيركلي أو ماريانا الكون ـ ليليانا هيكر




"كم تبقى من الوقت لتعود أمي إلى البيت؟"
كانت تلك المرة الرابعة التي تطرح ماريانا ذلك السؤال. في المرة الأولى أجابت شقيقتها لوسيا بأنها ستعود بعد قليل، وفي الثانية تذمرت: كيف من الممكن أن تعلم متى ستعود إلى البيت، وفي الثالثة التزمت الصمت واكتفت برفع حاجبيها والتحديق في ماريانا. أدركت ماريانا أن الأمور لا تسير بشكلٍ جيد وعليها أن تتوقف عن طرح المزيد من الأسئلة. على أية حال، سألت نفسها: لماذا أريد أن تعود والدتي ما دمت هنا مع لوسيا؟ ثم صححت لنفسها: لماذا أرغب بعودة أمي ما دمت هنا مع شقيقتي الكبرى؟أغمضت عينيها متأثرةً بشدة إزاء تلك الفكرة. الأخوات الكبيرات يعتنين بأخواتهنّ الصغار، قالتها كما لو أنها تلقي قصيدة. يالهُ من حظ أن يحظى المرء بأختٍ كبيرة. لوسيا بجناحين كبيرين للملاك الحارس تحوم لثانيةٍ فوق رأس ماريانا. وفي طرفة عين تستبدل تلك الصورة المجنحة بأخرى لطالما راودتها عندما تغادر الأم وتتركهما لوحدهما: لوسيا بعينين نافرتين خارج محجريها تصوب مسدساً نحوها. وبدون مسدس في بعض الأحيان، تنقضّ بأظافرها في محاولةٍ لاقتلاع عيون ماريا أو خنقها. والسبب نفسه دائماً: لقد جُنّت لوسيا.

من الحقائق المعروفة أن المجانين يقدمون على قتل العقلاء، مما يعني أن لوسيا لو أصابها الجنون أثناء مغادرة الأم فمن الواضح أنها سوف تقتل ماريانا. هكذا قررت ماريانا أن تتخلى عن نواياها الحسنة وتسأل مجدداً - للمرة الرابعة - " كم تبقى من الوقت حتى تعود أمي إلى البيت؟"
توقفت لوسيا عن القراءة وهي تتأفف ثم قالت: 
"ما أريد معرفته .. ( فكرت ماريانا بأنها لا بد أن تغيّر تلك الجملة إلى ما يجب أن تعرفه وليس ما تريد ) ما أريد معرفته لماذا باسم الرب تحتاجين إلى أن تكون أمنا حولكِ طوال الوقت؟"
- "لا" ( أجابت ماريانا وهي تفكر بأنها ستسألها لماذا أجابت كذلك، لطالما تمكنت لوسيا من تعقيد الأمور ) ولكن لوسيا لم تقل شيئاً فواصلت ماريانا حديثها: " إنه الفضول، هذا كل ما في الأمر ".
- " في الثانية عشر ".
- " ما الذي تقصدينه بذلك؟" صرخت ماريانا: "ولكنها " التاسعة إلا عشر دقائق الآن."
- "أعني الثانية عشر، ستة وستة أخرى".
غابت لوسيا في نوبةٍ من الضحك، ضحكت بقوة حتى خشيت لوهلة أن تموت من فرط الضحك. وبصراحة، لطالما آمنت بأن لا أحد على الأرض يمكنه أن يكون بمرحها، فلوسيا أكثر الناس مرحاً ولطفاً في العالم ولن تُجنّ أبداً. لماذا يصاب بالجنون من بهذه الروعة؟ ثم قالت بإعجاب: " لو، دعينا نلعب، فلنلعب أي شيء".
- " ولكني أقرأ."
- "ماذا تقرأين؟"
- " Mediocre Man ".
- "آه" ( أراهن الآن أنها ستسألني ما معنى العنوان ثم ستسألني لماذا قلتِ " آه " أيتها البلهاء؟ ) " لو، لا أستطيع أن أتذكر ما المقصود ب Mediocre Man"
- " Mediocre Man هو الرجل الذي لا مُثل له في الحياة."
- "آه،" أراح الجواب ذهنها لأنها بالتأكيد تمتلك بعض المُثل في هذه الحياة. تتخيل نفسها على الدوام وقد كبرت، وانقضت كل مشاكلها وبات الجميع يفهمها وسارت الأمور بشكل جيد وأصبح العالم رائعاً. هذا ما يعنيه امتلاك مُثلٍ في الحياة. ثم قالت: " لو، نحن، أعني أنا وأنتِ لسنا Mediocre أليس كذلك؟"
- " أنتِ حشرة، لستِ أكثر من ذلك. قالت لوسيا."
- " لماذا تبدين بغيضة مع الجميع؟"
- " اسمعي يا ماريانا، هل تسمحين أن أقرأ بسلام؟"
- " أنتِ بغيضة مع الجميع، وهذا أمر مريع يا لوسيا. تتشاجرين مع أمي وأبي ومع الجميع. تنهدت بشدة ثم قالت للوسيا أنها لا تمنح والديها سوى المشاكل."
- " حسناً يا ماريانا أتمنى أن تموتي."
- " أنتِ فظيعةٌ يا لوسيا، فظيعة. لا يجب أن تتلفظي بذلك لأي أحد حتى أسوأ أعدائك وقطعاً ليس لأختك."
- " والآن ستشرعين في البكاء ومن ثم ستصرخين بعد ذلك مدعية بأني أقوم بتعذيبك."
- " بعد ذلك؟ متى؟ هل تعلمين بالضبط متى ستعود أمي؟"
- "قريباً." عادت لوسيا لكتابها. ثم قالت كما لو أنها تفكر في شيءٍ هام بأنها ستعود في وقتٍ لاحق."
- " لاحق؟ قلتِ أنها ستعود قريباً." 
- هزت لوسيا رأسها باستسلام وعادت لكتابها ثم قالت نعم ستعود قريباً.
- " لا، نعم طبعاً، لا. هل ستعود قريباً أم في وقتٍ لاحق؟"
- حدقت بها وبدا أنها تذكرت شيئاً ما فابتسمت لوهلة." ماذا يهمكِ على أية حال؟". ثم هزت بلا مبالاة كتفيها.
- " ما الذي تعنينه بماذا يهمني؟ أنتِ لا تدركين ما قلتِ أليس كذلك؟ إذا عادت بعد قليل إلى البيت فإنها ستعود مبكراً، صح؟"
- " نعم إذا عادت إلى البيت."
- "ماذا؟"
- " نعم إذا عادت إلى البيت، هلّا تركتِني أقرأ من فضلك؟"
- " أيتها البقرة، أنتِ حقاً بقرة. ما تريدينه فعلاً ألا تعود أمي إلى البيت مرةً أخرى". 
- طوت لوسيا كتابها وألقته على السرير ثم تنهدت وشرحت لها بأن الأمر لا يتعلق بما تريد أو لا تريد. ما أرادت قوله ببساطة أنه لا فارق إن كانت الأم هنا أو هناك.
- " هناك؟ ما الذي تقصدينه؟"
- " هناك في أي مكان، لا فارق أبداً".
- " لماذا؟"
- أراحت لوسيا ذقنها على يديها وتطلعت بأسى نحو ماريانا. " اسمعي يا ماريانا، هناك ما أريد أن أخبركِ به. الماما غير موجودة".
- قفزت ماريانا وقالت " لا تكوني غبية" بينما تتصنع الهدوء " تعرفين أن أمي لا يروق لها أن تقولي مثل هذه السخافات". 
- " ليست سخافات. من يهتم بما ستقوله الماما على أية حال إذا كانت غير موجودة".
- "لو، أقولها للمرة الأخيرة. لا أحب أن ترددي تلك السخافات".
- " انظري ماريانا ( بنبرةٍ مرهقة ) أنا لا أختلق ذلك. هناك نظرية كاملة حول هذا الموضوع في إحدى الكتب".
- " وما الذي يقوله ذلك الكتاب؟"
- " ما قلته للتو. لا شيء موجود في الحقيقة كما أننا نتخيل هذا العالم".
- " ما الذي نتخيله في هذا العالم؟".
- " كل شيء".
- " تريدين أن أشعر بالذعر يا لوسيا. لا تقول الكتب شيئاً كهذا، ما الذي تقوله حقاً؟"
- " لقد أخبرتكِ ألف مرة. انظري إلى الطاولة؟ لا توجد في الحقيقة طاولة هناك. أنتِ فقط تتخيلين الطاولة. هل فهمتِ؟ الآن، في هذه الدقيقة تتخيلين أنكِ تجلسين على السرير في هذه الغرفة، وبأنكِ تتحدثين معي وتتخيلين بأن الماما في مكانٍ ما بعيد، وبأنكِ ترغبين بعودتها لكن كل هذه الأماكن غير موجودة في الحقيقة. لا شيء هنا أو هناك. فقط في رأسك، أنتِ تتخيلين كل هذا".
- " وأنتِ؟"
- " ماذا بشأني؟"
- " أنتِ هنا " قالتها بمرحٍ مفاجئ. " ألا تستطيعين تخيل الطاولة في المكان نفسه؟"
- " حبيبتي ماريانا يبدو أنكِ أسأتِ الفهم تماماً كالعادة. الأمر لا يتعلق بتخيلنا لمكان الطاولة نفسه بقدر ما يتعلق بكونكِ تتخيلين أن كلانا يتخيلها في ذلك المكان".
- " لا لا لا لا أنتِ من أخطأ الفهم بشكلٍ كلي. كلانا لا يتخيل الأشياء من تلقاء نفسه، ولا يمكن لأحدنا أن يخمن ما يتخيله الآخر. عندما تحدثيني بما تتخيلين أخبرك بعدد الصور في الغرفة وأقول لنفسي توجد ثلاث صور في هذه الغرفة في الوقت الذي تقولين بأنها ثلاث صور أيضاً. هذا يعني بأن الصور الثلاث موجودة هنا، نستطيع رؤيتها لأننا لا نتخيلها إذ من غير الممكن أن يتخيل اثنان الأشياء نفسها في الوقت نفسه".
- " فعلاً لا يمكن أن يتخيلها اثنان".
- " ماذا تقصدين؟"
- " أقول أنه من غير الممكن أن يتخيل اثنان".
- " لا أفهم ما تقولين ".
- " أقول أنكِ تتخيليني أنا أيضاً يا ماريانا".
- " تكذبين، أنتِ تكذبين. أنتِ أكبر كذابة في هذا العالم! أكرهكِ لوسيا. ألا ترين؟ لو كنت أتخيلكِ، كيف كنتِ ستعلمين؟"
- " لا أعرف أي شيء. أنتِ من قام باختلاقي. أنتِ من قام باختلاق شخصٍ   يدعى لوسيا وجعلتِها أختك. من يدري أنها من ابتكارك؟ هذا كل ما في الأمر".
- " لا، هيا " لو" قولي أن ذلك غير صحيح. ماذا بشأن ذلك الكتاب؟"
- " أي كتاب؟"
- " ذلك الكتاب الذي يتحدث عن كل هذا".
- " عن ماذا؟"
- " عن كل تلك الأشياء التي لا وجود لها".
- " أوه، ذلك الكتاب من تخيلاتك أيضاً."
- " كذب، كذب يا لوسيا! لا أستطيع تخيل كتاب مثل هذا. لا أعرف أشياء من هذا القبيل. ألا تفهمين يا لو؟ أنا لا أستطيع تخيل أمرٍ بهذا التعقيد".
- " ولكن يا مسكينتي ماريا، ذلك الكتاب لا يمكن اعتباره شيئاً مقارنةً بالأشياء الأخرى التي من صنع خيالك. فكري بالتاريخ وبقانون الجاذبية وبالرياضيات وبكل كتب العالم وبالاسبرين وبالتلغراف وبالطائرات. هل تدركين ما الذي قمتِ بفعله؟"
- " لا لوسيا، لا أرجوكِ. الجميع يعرف تلك الأشياء. ماذا لو أحضرت الكثير من الناس لهذه الغرفة وأوصيتهم بأن يشيروا إلى الراديو في الوقت نفسه بمجرد أن أعدّ إلى الثلاثة وسترين بأننا نشير إلى الاتجاه نفسه. دعينا نلعب يا لو أرجوك، هيا دعينا نلعب بالإشارة على الأشياء أرجوك".
- " ولكن هل أنتِ غبية أم ماذا؟ أقول بأنكِ من يتخيل الناس في العالم".
- " لا أصدقك، تودين أن أشعر بالفزع. لا أستطيع أن أتخيل كل هؤلاء الناس في العالم. ماذا عن أمي؟ ماذا عن أبي؟"
- " تتخيلينهم أيضاً".
- " هل أعيش إذن وحدي يا لو؟".
- " حتماً، أنتِ بمفردك".
- " هذا كذِب، كذِب! قولي أنكِ تكذبين وأنك تريدين أن أخاف، أليس كذلك؟ قطعاً لأن كل شيءٍ موجود. السرير والطاولة والكراسي. أستطيع رؤيتها ولمسها إن شئت. قولي نعم يا لو، وأن كل شيءٍ كما هو في السابق."
- " ولكن لماذا تريدين أن أقول نعم إذا كنتِ في كل الأحوال ستجعليني أقولها في خيالك".
- " وحدي دائماً؟ لا أحد هنا إذن غيري في هذا العالم؟"
- " بالضبط."
- " وأنتِ؟"
- " كما قلت سابقاً، أنت تتخيلينني".
- " لا أريد أن أتخيل أبداً يا لو. أنا خائفة، أنا مرعوبة جداً. لو، كم تبقى على عودة أمي؟"

مالت ماريانا خارج النافذة وأخذت تتوسل. ماما عودي إلى البيت حالاً. ولكنها لم تعد تعرف إلى من تتوسل في الحقيقة أو لماذا. أغمضت عينيها واختفى العالم وعندما فتحتهما عاد إلى الظهور مجدداً. كل شيء، كل شيء، كل شيء. إذا لم تعد قادرة ً على التفكير بأمها فلن تكون لها أمٌ أبداً. وإذا توقفت عن التفكير بالسماء فلن تعود السماء .. والكلاب والسحاب والرب. الكثير من الأشياء التي تفكر بها دفعةً واحدة، وبمفردها. ولماذا هي وحيدة؟ لماذا تكون الوحيدة في هذا الكون؟ عندما تفكر بذلك يبدو الأمر شاقاً. يبدو أنها نسيت الشمس فجأة أو بيتها أو لوسيا. ولعل الأسوأ أنها قد تتذكر لوسيا، ولكنها تتذكر لوسيا المجنونة، تلك التي تحمل في يدها مسدساً لكي تقتلها. وها قد أدركت أخيراً كم يبدو الوضع خطيراً. لأنها إذا لم تتوقف عن التفكير بها بهذه الطريقة فقد تغدو لوسيا مجنونة في الحقيقة وتبادر إلى قتلها. ولن يتبقى أحد لكي يتخيل كل تلك الأشياء. سوف تختفي الأشجار والطاولة والعواصف الرعدية. سيختفي اللون الأحمر وكل بلدان العالم والسماء الزرقاء والسوداء والعصافير والأسود في أفريقيا والأرض نفسها والأغاني ولن يعرف أحدهم كل هذا. فقد كانت هناك فتاة تدعى ماريانا اخترعت مكاناً في منتهى التعقيد وأطلقت عليه اسم الكون."

الخميس، 11 فبراير 2016

قصائد قصيرة - كارلوس دي أندرادي







-1-


تعاني النباتات أيضاً
لم لا؟
إذا كانت المعاناة
جوهر وحدة العالم

تعاني الزهرة 
عندما تلمسها
يدٌ غافلة
ويشتكي بلا صوت
لينها الناعم

والحجر المشلول
يعاني في الداخل

ونحن 
- الحيوانات في الأصل -
لا يجب حتى أن ندّعي 
حق المعاناة حصرياً

-2- 

قبّلتُ يد الكاهن
يد الرب
يد الجنة
قبّلتُ يد الخوف
من الذهاب إلى الجحيم
يد الغفران
لآثام الماضي والمستقبل
يد الخلاص
وعندما أرى الكاهن يمشي في الشارع
أرى قدري يمشي بجانبه
مظلماً
مشؤوماً
بشكلٍ نهائي
لو لم أقبّل يد الكاهن


الاثنين، 1 فبراير 2016

رحلة إلى البنكرياس ـ خوان خوسيه مياس





لطالما تلقيت من الطوائف الدينية التي باتت تتكاثر مثل المشروم، دعواتٍ لحضور اجتماعاتها بعد أن تداعت منزلة الأديان وسلطتها. لم أتمكن من تخمين الطريقة التي كانوا يتوصلون بها إلى عنواني البريدي، حتى ذاعت فضيحة بيع القوائم البريدية. وبدافعٍ من الفضول قررت الذهاب إلى إحدى هذه اللقاءات. وصلت متأخراً، فجلست برصانةٍ في المؤخرة، واستمعت إلى الواعظ الذي كان ينتقد بقسوة أولئك الذين يهدرون أموالهم في السفر إلى البلدان الأجنبية، بينما لا يعرفون شيئاً عن البنكرياس والقلب والأمعاء. كان يتسائل وهو يغلي : " لماذا أرغب في السفر إلى أفريقيا إذا كنتُ لم أقم بزيارة كبدي ولو لمرةٍ واحدة ". 

وبالنظر إلى وجوه المستمعين وتعابيرهم، فقد كان يجادل بطريقةٍ عقلانية ومؤثرة. ثم سألت نفسي ما الذي يضمن أن يتفوق منظر الغروب في أفريقيا على جمال مغصٍ في القولون؟ تخيلت لوهلة أني نفذت إلى المرارة وهي تفرز العصارة الصفراوية وقد بدا المنظر أكثر إبداعاً من شلالات نياغارا. ولكن يبقى السؤال كيف نحجز رحلةً إلى البنكرياس حيث لا حاجة إلى التذاكر أو جواز السفر.  

أجاب الواعظ على الفور، وطلب منّا أن نسترخي، ونتنفس بعمق، ثم نتخيل أنفسنا ونحن نغادر أجسادنا لوهلة ثم نعود إليها عبر الفم أو فتحات الأنف. كنت أفضّل الدخول من فتحات الأنف، وذلك لأن الفم يبدو بالنسبة لي مألوفاً، ولكن نزلة البرد التي ألمّت بي مؤخراً جعلتني أكابد في طريقي التهابات الأغشية. لم أجد صعوبات أخرى في الوصول إلى الجنجرة، فانحدرت بحذرٍ عبر القصبة الهوائية ممسكاً بحواف حلقاتها الغضروفية كما لو كانت درجات سلّم. كانت الظلمة أسفل الأنبوب العضوي تعيق حركتي فاستعنتُ بمصباحٍ خيالي أخرجتهُ من جيبي عملاً بنصيحة المتحدث، وشاهدت اسطوانتين اتضح أنهما تنتهيان عند الشعب الهوائية. فسلكتُ القصبة اليمنى التي كانت مصابةً بالتهابٍ مزمن وسقطتُ بداخل الرئة. كان المكان مليئاً بالتجاويف والأغشية حيث تيارات الهواء القوية. عُدتُ عبر الطريق نفسه خشيةً من تفاقم الانفلونزا. وعندما صعدت القصبة الهوائية بمساعدة الحلقات الغضروفية فقدت مصباحي. لم يُحدِث سقوطه في أعماقي أي صوتٍ يرشدني إلى تحديد موقعه. 

نزلتُ في الظلمة أتلمسُ السطح كالأعمى فلم أعثر على المصباح. وفي هذه الأثناء قام أحد الفايروسات بعضّ يدي اليمنى، وحاول آخرٌ أن يجذبني إلى مكانٍ تُسمع فيه ضرباتٌ عنيفة، يبدو أنهم يقومون بأمرٍ ما. سرعان ما اكتشفت بأني أقف بالقرب من حجاب الصدر وبأن القلب يستقر في تلك الفجوة. لم أعثر على المصباح ونال مني اليأس فتخليتُ عنه وعدت أدراجي أتسلق كالأعمى وبعد آلاف المحاولات المضنية صرت في الفم. فتحتُ عيناي وعُدتُ إلى الواقع. كان قلبي ينبض بشدة على الرغم من برودة الغرفة. كنت مبللاً بالعرق، لقد كانت مغامرةً أكبر بكثير من السفر عبر غابات الأمازون.

وعندما رجعتُ إلى حالتي الطبيعية، نظرتُ حولي فوجدت بقية المستمعين - بعيونٍ مغمضة - لا يزالون في استرخاءٍ تام. كانوا يواصلون بهدوء رحلتهم إلى البنكرياس. الرب وحده يعلم أيّ تجاربٍ كانت في انتظارهم. كان المتحدث - الذي توقفت عن الإنصات إليه عندما كنت أتمسك بالحلقة الغضروفية الخامسة للقصبة الهوائية، ربما لحداثة التجربة - لا يزال يواصل حديثه بنبرةٍ موزونةٍ ومقنعة. كان كل شيء بالنسبة له يمكن تخيّله. مَن تعلّم أن يتخيل باطن جسده بتلك الآليات التي سبق شرحها في لقاءاتٍ أخرى بمقدوره رؤية تشكلات الشجر، والشلالات الخضراء، وحُفر القمر، والنجوم، والمذنبات، والكواكب، لأن الجسد في الأساس هو خلاصة الكون. كان يوصينا بالتجول ببطء حتى يتسنى لنا الاستمتاع بمشاهدة الإفرازات، والأعضاء الحيوية، والسوائل، كما يوصينا بضرورة التوقف في لبّ الأعضاء التي تشتكي من المرض وذلك لمعالجتها بتقنيات التخيّل. عندما تصاب بقرحةٍ في المعدة مثلاً، عليك أن تتخيلها سليمةً تماماً، ومن ثم تتصور بأن القرحة تقدم العون للمعدة. بطبيعة الحال لا يمكنك تحقيق ذلك في جلسةٍ واحدة أو حتى جلستين، بل عليك المواظبة على التمارين حتى تغدو النتائج أفضل من تلك التي يمكن الحصول عليها بواسطة التدخل الجراحي وبتكلفةٍ أقل.

وبعد فترة بدأ المسافرون في العودة، وأخذوا يتحدثون عن عجائب البنكرياس، وعن شلالات العصائر التي تتدفق إلى المعدة لتساهم في عملية الهضم. في النهاية لم يلفت نظرهم الكبد ربما بسبب شكله الشاذ، وإلا فالجميع يتفق على اسثنائية وروعة جداول العصارات الصفراء التي تغطي الكبد. لاحظنا في تلك اللحظة أن أحد المستمعين كان مستلقياً. توجه إليه المتحدث وقام بفحصه ثم أعلن بأن ذلك الرجل قد تاه في منطقةٍ ما من أمعاءهِ الغليظة ولم يستطع الخروج. داهمنا القلق جميعاً، وغادرت عندما كان المتحدث يقول بأنه يحاول مساعدة الرجل للخروج عبر المستقيم.

في الأيام الماضية، شعرت بألمٍ فظيع في الرئة اليمنى كما لو أن جسماً غريباً يأوي هناك. وقد أصبت بالهلع عندما فكرت بأنه من المحتمل أن يكون ذلك المصباح، ولم أفكر بالرجوع هناك لاسترداده، أخشى أن أضيع مثل ذلك الرجل وأبقى محاصراً للأبد في هذا المكان المليء بالثقوب وتيارات الهواء.