الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

كوابيس أليفة..



  كان كابوسها الوحيد لا ينتهي حتى عندما تستيقظ بل ينهض لمرافقتها طيلة اليوم. لا وحوش ولا موتى ولا حروب ولا قيامة. يمكن القول إنه كابوس أليف لولا استمراره، وهذا ما يجعله بالتحديد مزعجاً. 

كانت تسمع صوت أقدام أحدهم تدنو منها بخطىً ثابتة حتى توقظها فتبتعد من تلقاء نفسها. لا أثر في الغرفة لولا السكون الغريب الذي يخلّفه بالعادة مغادرة شخصٍ للتو. كان كعب الحذاء يطرق سمعها كما لو أن أذنها من رخامٍ أو باركيه. حدسها يقول إن الحذاء أسود بل ومن ماركة سلفاتوري فيراغامو. لا يقصد اللصوص غالباً مثل هذه المتاجر الفخمة. هذا شخصٌ لا يخطط لسرقتها كما لا يخطط لقتلها، لو شاء لخنقها أو حزّ عنقها في أول ليلة. تتمنى أحياناً لو يقتلها فترتاح، لكن دون أن يخنقها أو يحز عنقها. لن يحدث شيءٌ من هذا وسيكتفي فقط بمطاردتها في النوم واليقظة. 

ودت لو ترى ذلك الشخص، لو تصحو مرةً واحدةً قبل مغادرته لكن المرء لا يصحو بالعادة من الكوابيس إلا متأخراً. تظاهرتْ بالنوم وكادت أن تباغته في إحدى الليالي لولا أنه استدار في اللحظة الأخيرة وعاد من حيث أتى. حاولت اللحاق به، لا لتمسكه بل لتعرف من هو فقط، كانت خطواته تبتعد بسرعةٍ فكأنه يركض هو الآخر. أدركت أنها لن تراه أبداً، ليس فقط لأن الأصوات لا ترى، ولكن لأن أذنها تتوهم الصوت كما تتوهم العين الأطياف. 

كلما ذهبت إلى العمل في متجر سالفاتوري فيراغامو أخذت تحدق إلى الأحذية. ما عاد يخيفها ذلك الصوت حتى ما عادت تلتفت عندما يقترب منها وتشعر بأنفاسٍ حارة تلفح مؤخرة عنقها فتهشها كما تهش الذباب.

السبت، 6 أكتوبر 2018

البيت




-١-
كلما فتح أبي الباب، اندلقت أحشاء البيت.

-٢-
كان في بيتنا القديم زهرة توليب تحدّق فيها طوال الوقت جدّتي العمياء. لا أدري من زرع التوليب البنفسجي على الحائط. نسيت أن أقول إنها مجرد صورة مائلة إلى اليمين قليلاً، ربما نسيها المستأجر السابق. ظلّت صورة التوليب مائلةً إلى اليمين طوال سنوات، في مأمنٍ من يقظة أمي واجتهاد الخادمة والنظرات الطائشة لجدّتي. أظن لو قام أحدنا بتعديلها في ذلك الوقت لسارعنا في الحال إلى إعادتها مائلةً إلى اليمين قليلاً.

-٣-
في الخارج، يقف باب البيت مثل حارس، لا يتذكر من طفولته إلا القليل، كما لا نتذكر نحن أيضاً إلا ما يرويه لنا الآخرون من قصصٍ يقضمها النسيان والزمن. كلما تقدّم في السنّ نسيَ أكثر حتى خشيت أن ينكر طفولته كما ينكر الصغار طفولة آبائهم. صار يهذي ويعلو صريره حتى أصابه الخرف واحتجزنا في البيت. حاولنا فتحه ولم نستطع، فركلناه أكثر من مرة حتى انكسر وما عاد ينغلق أبداً. كلما عدت إلى البيت وجدته موارباً يدعو اللصوص إلى الدخول، وعندما أعاتبه يقول إنه يحنّ إلى اليوم الذي لا يدخل ولا يخرج منه أحد.

-٤-
في الداخل، كرسي هزاز تهشم منذ سنوات. كلما ألقيناه بعيداً ولو في أطراف المدينة عاد ولحقنا مثل كلب. نندم فنحمله إلى البيت. فقد ذراعه اليمنى أولاً، ثم انكسرت ساقه وأخذ يعرج حتى اختفى ذات يوم. كلما جلست وتذكرته يهتز الكرسي من تحتي ولو كنت في الطائرة. 

-٥- 
واقفاً قبالة الشباك، أرى الشجرة التي قُطعتْ منذ سنوات، أمضي نحوها فلا أجد غير ظلها، وحالما أعود أراها مجدداً بل وأرى أبي يسقيها.


-٦-
مات أبي وتفسّخ البيت مثل جثة.

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

أمستردام أول مرة..



يا للغرابة التي اعترتني حين نزلت أمستردام أول مرة، فكأن القطار قد أوصلني إلى إحدى لوحات انتونيو سقي الكرتونية. بدت الأشياء كبيرةً جداً وصغيرةً جداً في الوقت نفسه كما لو أني أكلتُ فطر أليس فغدوت أطول من البيوت المائلة وأعرض من القنوات المائية. ثمة خفّة لا يمكن التعبير عنها إلا بطريقة القديس أوغستين حين سُئل عن الزمان: "إذا سألتني فأنا لا أعرف الإجابة، أما إذا لم تسألني فأنا أعرف."

المباني صغيرة وملمومة فكأنها بُنيت دفعةً واحدة، يتراوح عرضها بين متر ونصف وستة أمتار. من الصعب جداً إخفاء كنزٍ أو سرّ هنا. أظنهم يتبادلون الأسرار بلغة إشارةٍ مشفرة. النوافذ طويلة على الطراز الفرنسي. ربما خيّل لك أنهم لا يزرعون غير الصفصاف لكن الأكاسيا هنا والدردار وأشجار أخرى لو أمعنت النظر. التماثيل وحيدة، تخيط دموعها العناكب.



هذا بلد المليون دراجة، هكذا تزعم الإحصائيات التي تؤكد على أن عدد السكان قرابة ٨٠٠ ألف نسمة لذا يبدو غريباً بعض الشيء أن يقيّدوا دراجاتهم مخافة السرقة. فلتُسرق! لم لا؟ لو كان كالفينو عمدة أمستردام لجعلهم يسرقون دراجات بعضهم البعض كما فعل في بلدته القصصية حيث الجميع يخرج في الليل حاملين مصابيحهم لسرقة الجميع. أرى أن يركب الكل دراجة الكل وهكذا يحصلون على دراجةٍ جديدةٍ كل يوم بدلاً من تغييرها كل سنة. تتكفل الدراجة بمشاوير العائلة، الأب على دراجته والطفل في السلة الأمامية، والأم فوق دراجتها. وسائل المواصلات تبدأ من الدراجات فالأقدام فالترام فالقوارب فسيارات التاكسي. لم أر بعد جولةٍ امتدت لخمس ساعات غير تاكسي واحد فقط ونصف سيارة بوليس. الترام يقطع المدينة مثلما تقطع السكين البيتزا. الانتحار هنا لا يحتاج إلى محطات قطار، لا أسوار على البحر والأنهار. اترك دراجتك فقط واعبر إلى العالم الآخر. القوارب في كل مكان، يبدو بعضها أشبه بديكور. إذا كان البعض يورث أبناءه الملايين، والبعض الآخر يورثهم الديون فالهولنديون يورثون أطفالهم القوارب، ومن لا يفعل هو بالتأكيد أبٌ عاق.

اللغة الهولندية وعرة، وأفضل من وظف "وعرة" في التاريخ لا بد أن يكون ابن عمي أحمد. كان قد شارك في برنامج تلفزيوني قبل ثلاثين سنة، وكان الوحيد الذي لم يتمكن من الإجابة على أي سؤال، حتى تلك الأسئلة التي يعرفها مخافة أن يخطئ لذا أخذ يعتذر عن الإجابة في كل مرة حتى سخر منه المذيع فانتفض كبرياؤه واحتج قائلاً: الأسئلة وعرة يا أخي، ثم اعتذر للمرة العاشرة والأخيرة ولكن ليس عن الإجابة بل عن المواصلة في المسابقة. اللغة وعرة، الحروف أشواك تجرح الفم واللسان. صباح الخير على سبيل المثال تقال هكذا: خودمورخن. ماذا لو ترجمنا إحدى أغاني بول أنكا الحميمية إلى الهولندية؟ يبدو من الطيش أن يتورط المرء في غراميات هولندية.



توصلتُ بعد تأمل عميق في التصميم الجغرافي والهندسي للمدينة إلى أن القائد العسكري الهولندي كان عميلاً نازياً سلّم المدينة في يوم واحد. أمستردام عبارة عن مربعات ومثلثات سكنية وعشرات القنوات المائية! لماذا استسلمت أيها الحقير! أعجزت أن تفعل ما يفعله الصغار حين يهربون من أمهاتهم فيدورون ويدرن خلفهم حتى ينفد صبر الألمان؟ سيتظاهرون بالخروج كما تفعل الأمهات ويجب على الهولنديين حينها ألا يصدقونهم كما يفعل الصغار.

يحذرون هنا من المشي على العشب، ويدعون إلى تدخينه بدلاً من ذلك. مررت بأكثر من زقاق تفوح فيه حرائق العشب. يحرقون هنا كل الأعشاب حتى عشب ويتمان. عندما دقت أجراس الكاتدرائية قلت لمن تقرع الأجراس؟ لمن تقرعين يا أجراس أمستردام؟ الكل هنا مشغول أو كما غنت الستّ كل الأحبة اثنين اثنين. أنا فقط من يمشي وحده وشابةٌ صينية دعوتها لمرافقتي فلم ترحب بالفكرة فألححت قائلاً: إنّا غريبانِ هاهنا وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ، وأضفت: تعالي أقاسمك الهموم تعالي فرفضت علانية. قلت إنني لا أحب الصينيّات أيضاً لكن على الأقل يمكن أن يصوّر أحدنا الآخر عوضاً عن إزعاج المارّة. تبعتها حتى استوقفتْ شرطياً واشتكتني ففعلت ما فعله بطل خوان مياس واتهمتها بأنها هي من تطاردني مرددةً كلماتٍ من قبيل إنا غريبان هاهنا.

الأحد، 16 سبتمبر 2018

ثلاث قصص قصيرة جداً لدان رودز





ترقُب

بشعرها الأشقر الطويل، وبشرتها البيضاء كالزنبق، وشفاه كيويبد المقوسة بدت ماريديل مثل ملاك. بطبيعة الحال كنت سعيداً بحملِها لولا عيون الطفل الضيقة التي وشت بخيانتها. اعتذرتْ وسامحتها. سرعان ما حملتْ وأخذنا نترقب مرةً أخرى ولكن الطفل كان بني اللون كالبندق. لم أتفوه بكلمة، بدت في منتهى الروعة والخلاسي الصغير ممهداً على ذراعها. ما كنت لأخاطر بفقدانها. قلتُ: "أخيراً، طفلنا نحن." قبلة واحدة فقط من ذلك الفم الكامل أعادت الأمور إلى نصابها.


فوجي

تبدو يولنثي مثل جبل فوجي، فخمةً ومغوية من بعيد وما إن تقترب منها حتى تخيّب أملك. كلما أتى خطّابها بالورود والغيتارات الإسبانية أسررت لهم بذلك. عندما لا تسمعني أقول لهم: "ستندمون إذا قربتموها منكم". يظنون أني أهددهم فأهمس قائلاً: " أعرف إنها شديدة الجمال لكن ما إن تعرفونها عن قرب حتى تجدونها في الحقيقة فتاةً عادية". يسألوني مادام الحال هكذا لماذا لا أتركها. أتأتئ مرتبكاً، لا أعرف كيف أبرر الأمر.


قِطع

‎اختطفوا صديقتي وطلبوا مبلغاً ضخماً من المال قبل أن يعيدوها. كنت ممتناً لهذا السلام والهدوء، ولم أكن في عجلةٍ لتسوية الأمور. أخذوا يرسلون بعد حين قطعاً صغيرةً منها. بدأوا بإرسال الأذن في وعاءٍ للصابون. لسببٍ ما، لم يخفضوا مبلغ الفدية. هذا غير منطقي. يبدو أنهم يظنون أني سأدفع المبلغ نفسه لصديقةٍ بلا أصابع إبهام ولا أذان ولا أنف أو حتى حلمات كما لو كنت سأفعل مقابل امرأةٍ تحتفظ بكامل أعضائها.


ترجمة عبدالله ناصر

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

ضمير ـ إيتالو كالفينو



جاءت الحرب، وجاء رجلٌ يدعى لويجي يسأل ما إذا كان ممكناً الالتحاق كمتطوع.
أثنى عليه الجميع، وذهب لويجي حيث يسلّمون البنادق. أخذ بندقيته ثم قال: "والآن سأذهب لأقتل المدعو ألبرتو."
سألوه من يكون ألبرتو.
فأجابهم: " عدو"، وأضاف " عدوي أنا."
فأوضحوا أنه من المفترض به أن يقتل أعداءً من فئةٍ معينة لا كل من يود قتله.
"إذن؟" قال لويجي، " تظنون أني أحمق؟ ألبرتو هذا تحديداً من تلك الفئة. إنه منهم. عندما بلغني أنكم ستحاربونهم فكرت في مرافقتكم، وهكذا أستطيع أن أقتل ألبرتو. لهذا جئت، أعرف ذلك المحتال. لقد غدر بي لأجل أمرٍ تافه، وجعلني أبدو أحمق أمام تلك المرأة. الحكاية قديمة جداً، إذا كنتم لا تصدقونني سأحكيها لكم كاملة."
قالوا: حسناً، لا بأس.
" والآن؟ سأل لويجي، " أخبروني بمكان ألبرتو وسأذهب للقتال هناك."
فأجابوه بأنهم يجهلون مكانه.
" لا بأس " علق لويجي، " سأجد عاجلاً أو آجلاً من يخبرني بمكانه فألحق به."
أخبروه بأن ذلك ممنوع، عليه أن يحارب حيث يرسلونه، ويقتل كل من يصادفهم هناك، فهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الألبرتو.
" أرأيتم؟" ألحّ لويجي، " لا بد أن أحكي لكم القصة، لأنه محتالٌ جداً، وأنتم تحسنون صنعاً حين تقاتلونه."
ولكنهم لم يرغبوا في سماعه.
لم يفهم لويجي السبب. " عفواً، يبدو أنكم لا تمانعون أن أقتل أياً من أعدائكم لكن سيؤسفني أن أقتل رجلاً غير ألبرتو."
فقد الآخرون صبرهم، وتصدى له أحدهم ليشرح كيف تدور الحرب ولماذا لا يمكن أن يقتل أحدهم عدواً بعينه فقط لأنه يرغب في ذلك.
قال لويجي مستهجناً: " إذا كان الأمر كذلك فأنا سأنسحب."
فصرخوا: " بل ستبقى وتقاتل."
" إلى الأمام، واحد اثنان، واحد اثنان!" وأرسلوه إلى الجبهة.
شعر لويجي بالأسى وأخذ يقتل بطريقةٍ مرتجلة فقط ليجرب ما إذا كان ممكناً الوصول إلى ألبرتو أو أحد أفراد عائلته. منحوه ميداليات بعدد من قتل من الأعداء ولكنه لم يكن سعيداً. " إذا لم أقتل ألبرتو فسأقتل الكثير من الناس هباء." فكر لويجي بأسى.
وفي هذه الأثناء، كانوا يمنحونه ميداليةً تلو أخرى، فضية وذهبية ومن كل الأصناف.
فكر لويجي: " فلأقتل بعضاً منهم اليوم، وبعضاً آخر في الغد، وهكذا سيتقلص عددهم حتى يأتي دور المحتال."
ولكن العدو استسلم قبل أن يعثر لويجي على ألبرتو مما أنّب ضميره لأنه قتل الكثير بلا سبب، وبما أن السلام قد حلّ وضع لويجي كل ميدالياته في كيس وطاف يوزعها بدولة العدو على زوجات وأطفال القتلى.
وبينما هو كذلك صادف ألبرتو.
ردد لويجي: " حسناً، أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً."، وقتل ألبرتو.
وهكذا قبضوا عليه بتهمة القتل وشنقوه. أثناء محاكمته، كان يردد مراراً وتكراراً أنه فعلها ليريح ضميره لكن أحداً لم يستمع إليه.


ترجمة عبدالله ناصر

الثلاثاء، 17 يوليو 2018

السيد خوارّوث - غونزالو تافاريز






-١-


كلما ذهب السيد خوارّوث للتسوق غمرته الدهشة من أشكال وألوان المنتجات المختلفة على الرفوف حتى ينتهي به الأمر بالوصول إلى الكاشير بسلّةٍ فارغة.
في الحقيقة، لقد اعتاد السيد خوارّوث الذهاب للتسوق لرؤية الأشياء لا لشرائها.
لم يكن يذهب من أجل مشترياتٍ مادية، بل بصرية.
ولأنهم كانوا قد اعتادوا بالفعل على طباعه، كان العاملون بالسوبرماركت كلما رأوه يدخل يقولون أحياناً:" سيد خوارّوث، لقد وصلت بعض المنتجات الجديدة، هناك في الرف الأخير لذلك الممر."
وبعد أن يشكرهم على تلك المعلومة يحثّ خطاه متلهفاً في الاتجاه الذي أشاروا إليه.




-٢-

كان السيد خواروث يتردد في حمل كوب قهوته لأنه لا يجد بُداً من التفكير بأننا لا نمسك بأيدينا الأشياء بل هي من تمسك بأيدينا، وهذه الحقيقة كانت تكدره لكونه لم يستطع تقبّل أن كوباً بسيطاً يقبض يده مثلما يقبض عريس أرعن على الأصابع الخجولة للعروس.
وهكذا بدلاً من الإمساك بكوبه، كان السيد خواروث يقضي دقائق طويلة محدقاً إليه بعدائية، ثم يشكو من قهوته الباردة.


-٣-

كان السيد خوارّوث يُصِر على حجز دُرجٍ في بيته ليحفظ فيه الفراغ. بل لقد اعتاد أن يردد عبارةً غريبةً جداً: " أريد أن أملأ هذا الدُرج بالفراغ." 

وجدت السيدة خوارّوث بالطبع مساحةً صغيرةً تتزايد في بيتها فاحتجت لما كانت تشعر بأنه استخدام مريع لذلك المتر المربع.

وحتى يطمئن إلى أن دُرجهُ خالٍ من الأشياء التي لا يريدها ولم يتحول إلى مجرد مستودع، كان السيد خوارّوث أحياناً يفتحه بغيظ ليُري زوجته كما يعرض أحدهم كنزاً ثميناً.
فتهتف زوجته: " الدُرج فارغٌ تماماً."
لكن السيد خوارّوث يهز رأسه مبدياً عدم موافقتها. " ليس فارغاً تماماً حتى الآن، ما تزال هناك بعض المساحة." فتدمدم السيدة خوارّوث بصبر مذعنةً لقدرها: " إذن فلننتظر شهراً آخر."*

* ترجمة عبدالله ناصر

الخميس، 21 يونيو 2018

الحاجة إلى الأبواب




  قال إن الحياة في هذا البيت لم تعد تطاق، وغادر. كان في ما مضى يكتفي بصفع الباب فقط فتصالحهُ على الفور، أو تصفع الباب هي الأخرى فيتراجع عن غضبهِ ويتصالحانِ بصمتٍ دون حاجةٍ إلى الاعتذار. 

لطالما تبادلا تلك الصفعات خصوصاً في الشجارات الحادة حتى بلغ بهما الحال ذات يوم إلى أن يمسك كلٌ منهما مقبض الباب لساعةٍ كاملة، ويصفعه بكل ما أوتي من قوة حتى ظن الجيران أنهما سينفصلانِ حتماً هذه المرة أو على الأقل سينفصل ذلك الباب.

خطر لهما أن يخلعا الأبواب كلها فلا يتشاجرا مجدداً، وقد توقفا فعلاً عن الشجار، غير أن الأبواب المخلوعة كانت توسوس لهما بالهرب. أدركا في الحال أن الأبواب ليست لمنع الآخرين من الدخول كما يتصور الكثير، بل ليمنع الناس أنفسهم من الخروج. أعادا الأبواب في اليوم التالي وبعد يومين أو ثلاثة عادا لصفعها. 

تعرف هي أن الحياة في البيت لم تعد تطاق، لكنها تعرف أيضاً أنها لا تطاق في أي مكانٍ آخر. ليس هذا ما يقلقها، الحقيقة أنها المرة الأولى التي نسي أن يصفع فيها الباب. سيتذكر ذلك بعد دقائق ويعود بسرعة ليصفع الباب وكم سيبهجها ذلك.

الأحد، 15 أبريل 2018

البنادق وحمالات الصدر




كانت الحياة حلوة حتى انتبه الإنسان إلى عجزه عن الطيران. كلما حام طائرٌ في الهواء أخذ يقفز خلفه فلم يعرف من الطيران غير السقوط. كانت ساقاه تهوي إلى الأرض كلما رفعها، وللأمانة فقد كانت أكثر نفعاً على الأرض. تقفُ وتمشي وتعدو وتركب الحصان والنخلة والجبل. 

كلما غردت العصافير أو نعبت الغربان ظنّ الإنسان أنها تسخر من ساقيه العاجزتين وكتفيه المشعرتين بلا أجنحة فعاد تعيساً رغم كونه يعيش تلك الأيام أزهى عصوره الغرامية حتى بلغت السعادة بالرجل أن يتوقف عن اختلاس النظر إلى مؤخرة جارته كلما سنحت الفرصة. بل لقد كانت قدم المرأة على قدم زوجها حرفياً لأنه كان يحمل نهديها أينما ذهبت. لم تُعرف في ذلك الزمن الجميل حمالات الصدر حتى جُنَّ أحد الحمقى واخترع جناحاً أسماهُ " بندقية ". لم تساعده على الطيران بالطبع لكنها أوقفت الطيور عند حدّها.

انشغل الرجل بجناحه المشؤوم وترك نهدي زوجته يرعيان في الهواء الطلق حتى استثارا شهامة رجلٍ أرمل بادر إلى حملِهما براحتيه. مرّ الزوج ببندقيته فراعهُ ما رأى وأطلق النار في الحال على راحتي الأرمل فتناثرت أصابعه على الرمل.

فقد الرجال عقولهم واخترعوا مزيداً من الأسلحة متنصلين من حمل الأثداء باستثناء رجلٍ وحيد حاول عبثاً إصلاح العالم فاخترع حمالات الصدر تكريماً لذكرى أصابع جدّه الأرمل.

الاثنين، 9 أبريل 2018

٢٤ ساعة في بروكسل




أكتب في القطار عائداً إلى لندن بينما نعبر الحدود الفرنسية، كانت بروكسل باردة جداً وإن كان أهلها على العكس من ذلك فهم يحتفون بالكسل على الطريقة الفرنسية ويُقبِلونَ على البيرة منذ الصباح الباكر - شاهدت أحدهم يكرعها بالصحة والعافية في التاسعة صباحاً وربما بدأ مبكراً قبل خروجي من الفندق - كما أنهم يتبادلون القبلات القصيرة والطويلة، والجافة والرطبة، والتقليدية والحداثية، والعاطفية والشهوانية، والعادية والفانتازية في الأماكن العامة - ربما أكثر من الخاصة - بشكلٍ أكبر من الانجليز. وتؤكد صحة ذلك عشرات الكاتدرائيات المهجورة من قبل البروكسليين الآثمين وحتى كاميرات السياح وربما الرهبان والكهنة أيضاً. الناس هنا يؤمنون بالشوكولاته والوافل والبيرة والكوميك والأنتيك ويتنسكون فقط في تلك الحانات والمتاجر. وقد تعرضت لخدعة أو لنقل مقلب عندما قطعت تذكرة دخول متحف البيرة البلجيكية وما إن خطوت خطوةً واحدة حتى انتهى المتحف. لا شيء سوى بعض الأخشاب ورائحة الجعة التي ترافقني بعد ذلك في كل مكان وشاشة صغيرة تعرض فيلماً وثائقياً أو هكذا أتصور لأنني لم أنظر إليها إذ دعاني النادل ليقدم لي كأساً مجانية تقوم مقام مرشد المتحف، ربما هذا ما يطلق عليه البلجيكيون خفة الدم التي يعتقدون يقيناً بأنها إحدى سماتهم - هناك في الجينات - على أني لم أتقاطع معها أبداً.
قررتُ أن أتجول بعربةٍ يقودها خيلٌ أبيض - مع أن الخيل الأدهم كان أحد أحلام الطفولة التي تنازلت عنها - وكانت المفاجأة أن الآنسة الشقراء التي تبدو من بعيد توأم ميشيل فايفر ومن قريب توأم كيت وينسلت وعندما تقف قبالتها تجدها مجرد آنسة شقراء لا تشبه غيرها وإن كانت حظوظها قائمةً جداً في السعادة من وجهة نظري الشخصية، أقول إن تلك الشقراء كانت هي الحوذيّ. يبدو أن فتيات بروكسل عمليات جداً، يفضّلن الأحصنة البيضاء بلا فرسان الأحلام. كانت الجولة قصيرة، يمكنها فقط أن تثير حماسة سائحٍ آسيوي - ليس أخرقاً بالضرورة - ثم تجولت في أسواق الأنتيك. أنتيك على مدّ البصر وحتى عندما تغمض عينيك لا بد أن تشاهد أكثر من تحفة تتراوح أسعارها بين مئات وآلاف اليوروهات. نستالوجيا نحاسية باهظة الثمن وحنين الرخام الطفولي إلى الماضي، ولكن أقدامي تجمدت في متجرٍ للحيوانات المحنطة. لطالما حلمت برأس أيلٍ يتخذ جدار صالتي جسداً ويشرف على مكتبة البيت، يشاهد معي الأفلام ويشجع مدريد ويستمع جيداً إلى قصصي ثم يبدي كل مرة رأيه الإيجابي. كان المنظر مرعباً وقد قلت للبائع إنني قبل الدخول شاهدت بعض الصينين - سادة الأرض الجدد - وهم يخرجون مرعوبين تماماً والآن أشعر مثلهم بالرهبة لا بالدهشة كما توقعت. خرجت وتنازلت ببساطة عن حلمٍ آخر.

السبت، 17 فبراير 2018

الندبة ..






 يتناولانِ العشاء بصمت، هو وذكرياته، دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر.

يبدوانِ من بعيد غريبينِ تماماً، وما إن تمعن فيهما النظر حتى يبدوانِ مثل زوجينِ جاءا إلى المطعم رغماً عنهما للاحتفال بذكرى زواجهما العشرين. يلومانِ في السر بعضهما البعض، ويذكرانِ في السر أيضاً بعضهما البعض بكل الأخطاء الكبيرة والصغيرة التي ظنا أنهما نسياها، وقد نسياها بالفعل، لكن الكراهية تنشط الذاكرة. يتصنعانِ اللطف أكثر من اللازم فيشعر النادل بالحرجِ كما يشعر بذلك كل من في المطعم لكنهم يتظاهرون بعدم الانتباه، ويتشاغلون بأطباقهم مترقبين اللحظة التي سيندلق فيها السِباب أو الحساء أو الاثنين معاً لينصرِف أحدهما ساخطاً ويترك الآخر ينهار وحده. لكنهما سيتابعانِ عشائهما بهدوء، ويعودانِ بالهدوء نفسهِ إلى البيت.


ما زالا ينامانِ في غرفةٍ واحدة. وعندما تدير ذكرياتهُ ظهرها لتتعرى وتبدل ملابسها، يختلس النظر إليها. رباه كم كبُرتْ حتى لكأنها ذكرياتُ رجلٍ آخر. ماذا فعل الزمن بها؟ أم تراهُ من فعل ذلك؟ كم شاخت وترهلت ـ شاخ بالطبع هو أيضاً ـ وبالرغم من كل شيء ما تزال جميلة. تومض لبرهةٍ صورتها القديمة، أو لعله يتخيلها، فيبتسم ويتذكر بخجل تلك الليلة التي قرر فيها أن يهجرها إلى الأبد. كانت أصغر وأجمل بكثير لكنه في لحظة طيشٍ عقد العزم على التخلي عن ذكرياته، والبدء من جديد، من الصفر مثل الأطفال. لقد تركت هذه الذكرى ندبةً كبيرةً على وجه ذكرياته.

الأربعاء، 24 يناير 2018

أرق وقصص أخرى ..



( أرق )

لا ينام.
يقع الأرق على جانبه الأيمن موزعاً بالتساوي على الطاولة الصغيرة والأباجورة فوقها وكوب الماء والكتب والنظارة والستائر.
أما على الجانب الأيسر فمن السهل أن ينزلق في النوم لولا أن الكوابيس تنام في الجهة نفسها، ومن المتوقع أن يسطو أحدهم عليه للمرة الألف في كابوسه شبه الليلي فيصرخ مستنجداً بأخيه أو بسلاحه ولا أحد منهما يقيم في شقته. 
وعندما ينام على ظهره يكدس الآلام والتشنجات في مرطبان الرقبة، أو يحدق لوقتٍ طويلٍ في السقف فيوسوس بأنه سيهوي في أي لحظة فيبقر بطنه الستلايت، ذلك الضبع المعدني الذي ما انفك يفسد حياته بالأخبار العاجلة. 
أما النوم على البطن فلا يليق برجلٍ يحترم نفسه ويفضّل عليه كل ما سبق لأن منظره يوحي بسيدٍ يهجم على الخادمة فوق البلاط البرتقالي للمطبخ فيطؤها دون موافقتها بمجرد أن تزور زوجته والديها.

جرب أن ينام جالساً على الكرسي كأنه على متن قطارٍ أو طائرة، لكن سؤالاً حال بينه وبين النوم: متى سيصل؟


( وصفة طبية للندم )

يندم كل يومٍ ثلاث مرات، ثلاث فقط، لا أكثر ولا أقل. لا يعني هذا ألا يسمح لنفسه بأكثر من ثلاثة أخطاء في اليوم الواحد. لا، ليس بالضرورة، فهو يندم حتى عندما لا يخطئ، بل لقد مرت أيام كثيرة ومتوالية لم يتمكن فيها من ارتكاب خطأٍ واحد.
يندم كل ثماني ساعات كما لو كانت روشيته. ولا بأس أن يفوت مرةً موعد الندم لأنه سيندم على ذلك فوراً فيصبح المجموع ثلاثة وهو الرقم الذي يبدو معقولاً بالنسبة له. لطالما ردد على مسامع الآخرين وعلى نفسه بالذات: " ثلاث جرعات من الندم أرحم بكثير من أن يبتلع المرء أربعين ندماً دفعةً واحدة."


( السطو على تيفاني )

التقى الثلاثة عند أحد المتاجر، صادف أنه تيفاني، وبادر بالحديث أكثرهم ثقةً في النفس مدفوعاً بمهارته المألوفة في الارتجال عن ضرورة اقتناء بعض القلائد الفاتنة خصوصاً تلك التي من تصميم بالوما بيكاسو، ابنة ذلك العبقري - وهل في الدنيا بيكاسو آخر؟ - قلادة للزوجة ولو كنت عازباً وأخرى للعشيقة ولو ظننت بنفسك الاستقامة.
ثم أضاف وهو يدلك لغده النائم بأن الفرصة الآن تبدو أكثر من سانحة للسطو على هذا المتجر أما بالنسبة إلى الخطة فقد أعدّها منذ أن شاهد فيلم أودري هيبورن وقد راجعها بعد قراءة قصة كابوتي. هل اطلع أيّاً منكما بالمناسبة على الفيلم أو القصة؟ لا بأس، فلم تقع هناك أي عملية سطو ولكنها ستقع هنا بعد قليل. 
يبدو أن أحداً منكم لم يقدم من قبل على السرقة وهذا فألٌ حسن أيها السادة. لا شيء يشبه حظ المبتدئين. الخطة بسيطة جداً بل تكاد تشبه ما يفعله الصغار لسرقة الحلوى. يدخل الأول فالثاني أما الثالث فيقف عند الواجهة من أجل مراقبة سير العملية في الداخل والخارج. 
هيّا، دخل فوراً يتبعه ظله المتردد، وأشار إلى عقدٍ من الألماس وما إن أخرج البائع ذلك العقد حتى سأله: ألا تظن بأن العقد أجمل ما يكون على الجسد العاري؟ وقبل أن يجد البائع الخجول جواباً، اختطف العقد وانطلق يجري مثل مجنون - هو وظله - داعياً صورته على واجهة المتجر أن تتوقف عن المراقبة وأن تركض هي أيضاً بأقصى ما تستطيع.


السبت، 13 يناير 2018

ثلاث قصص قصيرة..




-1- 




لا بد أن مكروهاً أصاب الطائر.

مر يومان على غيابه، ولا أدري إن كان سيعود هذه المرة أم لا. ما كنا نفترق إلا عندما ينصرف أحدنا لشؤونه الخاصة، بل لقد كان يرافقني خفيةً إلى العمل. كنت عشّاً للطائر، ولولا أن الأعشاش لا يجب أن تطير لحلّقتُ بحثاً عنه. كان كتوماً، ربما أحببته لهذا السبب تحديداً، لا يشدو كالكناري، ولكن يطنُّ فقط، كم أفتقد إلى طنينه. وإذا كان الأثرياء يربّون الخيول، ويدلل الأقل منهم ثراءً القطط والكلاب، قلتُ لماذا لا أربّي هذه الذبابة؟ سخرتْ زوجتي كعادتها: 

- " وكيف تعرف أنها الذبابة نفسها؟ "

- " لأنها لا تحطّ إلا هنا " وأشرت إلى الجهة اليسرى من رأسي.

- " حسناً، لا مانع عندي، لكن تذكر أن الذباب لا يعيش أكثر من ثلاثة أسابيع." 

ياللطيور التعيسة! صرت أبلل تلك البقعة من شعري حتى أسقي الذبابة بل لقد حذرت الحلاق من الاقتراب منها. 
لو كنت فقط أنصتُ جيداً إلى طنينها لربما علمت أين هي الآن، ربما وجدتْ عشّاً آخر، تقول زوجتي. أشك أحياناً أنها قتلت الطائر كما قتلت غالا أرنب دالي.


-2-


أقول لك ببساطة إن الحلّ يكمن في الرقم واحد. هذا هو الحلّ، بل هذا هو حلّ كل معضلة تقريباً. لو تمعنت معي قليلاً في دلالات هذا الرقم لغدت هذه الحياة مقبولة بل وحلوة في بعض الأحيان. 

أنت واحد مهما فعلت، حتى الاسكندر الكبير واحد، وفي أوقات الخزي تغدو أقل بكثير من واحد، ولك روحٌ واحدة وقلبٌ واحد وقضيبٌ واحد ومؤخرة واحدة - وإن كانت مشطورة بشكلٍ مخجل - ورأسٌ واحد، لا تقاطعني أرجوك! وفمٌ واحد، وأنفٌ واحد، و.. ألا تستطيع الانتظار؟

طيب، أرى جيداً التماعة عينيك وانتصاب أذنيك وفجاجة ذراعيك وساقيك، وأزعم أن لديك كليتين وخصيتين وإن لم أرَها لحسن الحظ. لكن، ألا يمكنك مواصلة العيش بواحدة؟ 

ركز معي، ما دون الاثنين واحد، لكن ما دون الواحد عدم، لاشيء، نثنق، نينتي، نادا، هل تفهم؟




الواحد هو التوازن، وما عداه اختلال!

تكفيك امرأةٌ واحدة، وعشيقةٌ واحدة، وابنٌ واحد، لا تكن جشعاً وتأتي بأكثر من طفل لأن رجلاً في الشرق أو في الغرب سيصاب بالعقم أو تغدو امرأتهُ عاقر. 

خذ الدون جوان مثلاً، ولنفرض أنه يعرف عشر نساء والواجب أن يعرف واحدةً فقط كما أسلفت ويخونها مع واحدةٍ أخرى فقط. في هذه الحالة هناك ثماني نسوة سيترهبنُ بسببهن أربعة أرجال ويتخنث أربعةٌ آخرين.

كلما جاع شخصٌ ما فلأن أحدهم التهم وجبةً زائدة. كلما ألحد شخص فلأن أحدهم يعبد أكثر من رب وهكذا.. هل فهمت؟ 
- لا. 
- لأنك أبله، ويؤلمني ألا أستطيع أن أشتمك أكثر من شتيمة واحدة.

- 3 -


لا يزال ابنه الوحيد نائماً بجوار زوجته، ابنة أخيه، فهو عمّها مرتين. لم تنجب طفلاً لابنه حتى الآن، وعلى الأرجح لن تنجب أبداً فقد مضى على زواجهما أكثر من عشر سنوات. سيبقى أباً فقط ولن يصبح جدّاً حتى ولو تجاوز الثمانين. زوجته أيضاً تغط في النوم منذ سنوات. يقولون إنها لا تزال في الغيبوبة أما هو فيظن أنها سبقته هناك. تزوره في المنام بين الحين والآخر ولكنها لا تتفوه بأي كلمة. تحدق فيه فقط دونما غضبٍ أو رضا مثل العميان. 

الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً ولا أحد مستيقظ حتى الخادمة. لا يشعر بالجوع، في هذا العمر لا يشتهي المرء الطعام. من يرغب في تناول طعامٍ يخلو من الملح والسكر وأشياء أخرى. لم يتبول في اليومين الماضيين، كانت مثانته خاوية تماماً، وعندما تجمعت فيها بعض القطرات الصفراء تنبّه من نومه. الحمام بعيد، وعصاه ليست هنا، يتحسسها عبثاً هنا وهناك فلا يجدها ولا يمكنه أن يبحث عنها بعينيه الذابلتين. نادى ابنه أكثر من مرة، ولكنه في الطابق الثاني. فرّت قطرة صفراء وسقطت على ثوبه. ما عاد يطيق الصبر أكثر من ذلك، زحف فوق السجادة الفارسية التي أهداها لابنه. المسافة قصيرة لا تتجاوز ثمانية أمتار، ما أطولها عليه. قطع المتر الأول فالثاني ثم ارتطم كتفه بطاولة، تأوه وانزلقت قطرةٌ أخرى، تابع المشي على أربع، وصل أخيراً، بكى من الأسى أو ربما من الفرح. كان مقبض الباب بعيداً عنه، حاول غير مرة فلم تصل يده الدرداء. استلقى بحسرة وهو ينصت إلى خطوات تدنو منه، لو بكّرت قليلاً لما كانت هذه البقعة.