المشاركات

عرض المشاركات من 2021

سلوا قلبي

صورة
أتذكر الآن ما قلته في زمنٍ بعيد عن الدموع وقطاراتها التي لا تحملني إلى الوجهة التي أريد. ومع ذلك كنت قد ركبتها بالطبع غير مرة، إذ كان فيها على الدوام مقعد شاغر. لكنني أعجز عن تذكر آخر قطارات البكاء، ولولا الخوف من المبالغة لقلت إنه قطار قديم جداً حتى أنه كان يعمل بالفحم. كبرت قليلاً فقرأت السيرة الشهيرة "قدمي اليسرى" لكرستي براون وقد عاش حياته مشلولاً مثل حجر، حتى آنَسَ حركةً في قدمه اليسرى فراح يكتب بها ويرسم. لم أعد أتذكر من تلك السيرة غير هذا السطر أو نصف السطر بالأصح: "لقد فقدت الراحة التي تهبني إياها الدموع". نعم لقد فقدت تلك الراحة، فقدتها إلى الأبد ولن تعيدها إلي حتى تضرعات عبد الباسط عبد الصمد. ولما وجدت أم الضحاك المحاربية تقف مثل نطاسيّ لتصف علاج الحب وأمراض أخرى، فتقول: "أو اليأسُ، حتى تذهلَ النفسُ بعدما.. رَجتْ طمعاً واليأسُ عونٌ على الصبرِ"، قلت هو اليأس إذن.  الحقيقة أنني أراوغ حتى لا أبدو مثل عبد الوهاب حين زعم في إحدى أغنياته أنه لا يشكو ولا يبكي تحت أي ظرف، إذ أن التغني بذلك، بكاء وشكوى في حد ذاته. وقد علمت منذ زمن أنْ ليس في البشر أقوياء،

وداعاً أيتها البويضة - غابرييلا وينر

صورة
في هذه اللحظة تحديداً ينمو طفلي في أحشاء امرأةٍ مجهولة. لا بد من طريقةٍ أخرى للحديث عنه. إنه ليس طفلي في العُرف، وإن حَمَلَ كل معلوماتي الوراثية. أسماه الأطباء "بويضة" بينما كنت أمضي في إجراءات التبرع. آخر ما سمعته عن البويضة إنها قد تحولت إلى جنين بعدما التفّت في أنبوب اختبار مع السائل المنوي لرجلٍ لن أنام معه أبداً، زوج المرأة المجهولة، أو ربما ليس زوجها. ثم نصبت البويضة مخيماً بداخل تلك المرأة المجهولة، حيث المكان قطعاً دافئ ومريح. قبل نصف سنة تقريباً، ذهبتُ لأتبرع لإحدى العيادات الخاصة للمساعدة على الإنجاب في برشلونة، متبعةً تعليمات النسوة اللاتي التقيتهن لكتابة مقال حول التبرع بالبويضات. كنّ جميعاً شابات من أمريكا اللاتينية مثلي. قدِمن للدراسة في أسبانيا، وعمِلن في وظائف مؤقتة، نادلات أو في توزيع المنشورات. وقد علِم أكثرهن عن التبرع عبر الملصقات التي راحت تعلقها العيادات في أكثر من جامعة لجذب المتعلمات، وأغوتهنّ التسعمائة يورو الجذابة التي كُتِبتْ باللون الأحمر أسفل الملصق. قررتُ أن أخضع لإجراءات التبرع، وهكذا قصدت عيادةً في حيٍّ راقٍ وفخم. ما إن لمحتني الطبيبة حتى صافحت

كارلوس..

صورة
  في سنّ العاشرة كان كارلوس عندي هو باتمان وسبايدرمان وسوبرمان وعابر الجدران في قصة مارسيل إيميه والكونت مونت كريستو وإن لم يهرب أبداً من السجن.  كنت في ذلك السنّ قد شُخِّصت بقصر النظر، هذا التشخيص الأقرب إلى شتيمة. كانت المناظر تموج في عينيّ كما تموج لعينٍ اغرورقت بالدموع، أو كما تموج الألوان في لوحات مونيه. لعله هو الآخر كان مصاباً بقصر النظر وما كان ليبرز أسلوبه الفاتن لو لم يكن كذلك! والحال نفسه مع سيزان. لقد ذهبت بعض الدراسات والبحوث الفنية إلى أن معظم رواد الانطباعية كانوا في الأصل يشكون من قصر النظر. زعموا أيضاً أن الاستجماتزما وحدها هي ما دفعت الغريكو ليرسم الوجوه عمودياً باستطالة بارزة. آه من حسد النقاد، وقد كشفتهم وردة على حقيقتهم في أغنيتها "لولا الملامة" حين قالت إنهم زينا عاشقين لكن خايفين لايمين تانيين.  على كل حال، لم أكن رساماً وقد انتهت الانطباعية منذ زمن بعيد، وما كان ليعزيني في النظارة الجديدة غير خبرٍ في الجريدة لرجلٍ يضع نظارة سوداء يدعى كارلوس الإرهابي أو الثعلب أو المناضل أو الجاسوس أو العميل أو العميل المزدوج أو القاتل المأجور. كان الخبر يستعرض حادثة إ

من أحلام أحمد بوزفور

صورة
  رأى أحمد بوزفور فيما يرى النائم أنه يقطع الصحراء المغربية على فرسٍ أدهم. أجال النظر مثل عُقاب فلم ير غير أطلالٍ بالية كأنه يرتحل في مطالع المعلقات. كانت فرسه تخب في غير عجلة فراح يُلاعبها مثلما يُلاعِب الجدُّ حفيدته فيمسح وجهها ويسأل: أأنتِ وردة؟ "ذات الكفل المزحلق والمتن الأخلق." أم أنتِ حُذَمة؟ "إن أقبلت فقناةٌ مُقوّمة، وإن أعرضت فذئبةٌ معجرمة." أم تُراكِ هُذلول؟ "طريدُهُ محبول وطالبُهُ مشكول." حرونية الأنساب أم أعوجية أخبريني؟ كانت الفرس في كل مرة تنفي بحركةٍ من رأسها وتصهل ضاحكةً فلا أحد -غير أمها- يعرف من تكون حتى الغندجاني وابن الكلبي .   وبينما هو كذلك إذ بلافتة مرورية في كبد الصحراء تشير إلى نهاية الطريق. ترجل وأمعن فيها النظر، ثم خطا خطوةً واحدة بعد اللافتة فإذا الطريق لا يزال هناك. نحنُ أدرى، قال بوزفور. لا ينتهي الطريق حيث يقف المرء بل حين يصل. ولا حتى حين يصل، قالت الفرس. قام إليها فوثب وقبل أن يستوي عليها ترامت وراحت تسبح في الرمل يوماً وليلة حتى خاف عليها ثم منها حين انتبه إلى منخرها وقد صار مثل الكير. بُوغِت أنه على متن بوكيفالوس حصان الإس