الجمعة، 14 أكتوبر 2016

إطلاق السالِفَين - غويليرمو روساليس




ما إن فُتِح باب صالون أليبيو للحلاقة، في الصباح الباكر، حتى دخل رجلٌ له وجه سفاح، مرتدياً زيّاً أزرق لحارس أمن، بجرابٍ ملئ بالطلقات، يتدلى منه مسدس من طراز ستار. سرت رعدة في قدمي أليبيو _حالما رآه_ وتصاعدت حتى استقرت في قلبه الذي اضطربت نبضاته.

لقد كان هو. لم ينس أليبيو ذلك الوجه الطيني، وتلك الأذنين المشعرتين، والسنّ الذهبي، والشارب النحيف الذي كان صرعةً دارجةً في الخمسينات. لقد كان هو. لم تستطع تلك الثلاثين عاماً أن تغير ملامحه الرئيسية. لقد كان هو. هنا في ميامي، حارس أمن في المقبرة أو في متجر ملابس. أما هناك في كوبا، قبل الثورة، فقد كان النقيب السافل أوفيديو ساما ذو الصيت العنيف والآثم في المخابرات العسكرية.

خطر في ذهن أليبيو لأول مرة أن ابنه كان سيبلغ الثامنة والأربعين، وبتلك الموهبة الحسابية، كان من الممكن أن يغدو الآن اقتصادياً لامعاً أو محاسباً عبقرياً. هذا ما كان يدرسه في الجامعة _ المحاسبة_ عندما قتلوه.

- " هل ترغب في الجلوس؟ هناك حلاق آخر ولكنه لن يأتِ قبل العاشرة." سأله أليبيو.
- " جئت من أجل الحلاقة فقط." أجاب بصوتٍ خشنٍ يتوافق مع ملامحه.
- " تفضل بالجلوس إذن، سآتيك حالاً."
جلس الرجل على كرسي أليبيو وأغمض عينيه كما لو أنه يوشك أن ينام.
- " هل تفضّل الشفرة؟ "
- " نعم."
تناول أليبيو شفرة الحلاقة وأخذ يشحذها بالسير الجلدي. لقد أمضى الكثير من السنوات في البحث عن هذا الرجل الذي صار الآن بين يديه. ذهب إلى جاكسونفيل، كانوا قد أخبروه بأنه يقيم هناك، ثم قالوا بأنه يعيش في نيوجيرسي، ولكنهم ذكروا هناك بأنه قد غادر إلى كنساس ليعمل حارس أمن في نادٍ ليلي. هرع بمسدسه ومديته إلى كنساس، تجول في كل البارات والأندية الليلية والأوكار القذرة، يسأل عن ساما اللعين الذي قتل ابنه في مظاهرة طلابية عام ١٩٥٧. ثم توقف عن البحث عندما نبا إلى علمه أنه صار يتاجر بالمخدرات في فنزويلا.

والآن، ها قد ساق القدر ساما إلى يديه. هذا اللعين الذي فرّغ مسدسه في جسد ابنه حتى بات من الصعب التعرف إليه. كان ابنه الوحيد، الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر في  الحياة.

- " هل ترغب أن أقتلع هذه البثور؟"
- " لا، لا تنشغل بها، أود فقط أن تحلق ذقني."
- " هل تعيش هنا منذ زمنٍ بعيد؟"
- " حوالي ثلاثين سنة، كنت من أوائل الذين هاجروا، ماذا عنك؟"
- " جئت لاحقاً، كنت على يقينٍ في البدء ثم شعرت بالخذلان فيما بعد."
- " يحدث هذا للكثير من الناس."
لم يقولا شيئاً آخر. عصر أليبيو معجون الحلاقة، وأخذ يحدد السالف الأيمن بالشفرة. قد يكون هذا الوقت المناسب. لو ضغطت يده قليلاً سيهوي هذا الرأس ميتاً على المنشفة البيضاء. ولكن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لن يصدق أحد بأنها مجرد حادثة. لن يتفهم أحد بأن ذلك الثأر دام ثلاثين سنة. مرر أليبيو شفرة الحلاقة على خد الرجل الأيمن ثم انتبه إلى ذلك الكيس في ذقنه فبذل أقصى ما بوسعه حتى يتفاداه.

بقي الرجل صامتاً، بعيونٍ مغمضة، كما لو أنه يستمتع كثيراً بملمس الشفرة الناعمة وبرودة كريم الحلاقة. من الآن فصاعداً، تبدو بالنسبة إلى أليبيو كل لحظةٍ مواتية جداً. ثلاثون سنة. ثلاثون سنة. انتقل إلى الخد الآخر فحلقهُ في ثلاث حركات دقيقة.

- " هل تريد أن أقصّر الشارب أم أبقيه كما هو؟"
- " دعهُ هكذا، يبدو رائعاً، لطالما تركته بهذا الشكل مثل كلارك غيبل."
وعلى الرغم من ذلك، أخذ أليبيو المقص وقص بعضاً من شعيرات الشارب والأنف. لم يكتفِ بذلك، بل قام أيضاً بتشذيب حاجبي الزبون الكثّين. لم يستطع أن يقتله. لقد أدرك الآن فقط أنه لم يستطع ذلك. لن يفهم أحدٌ قصته. سوف يقضي ما تبقى من حياته في السجن. الأسوأ من ذلك أن يرى الدم يتدفق وإن كان الدم لسفاح. فالدم له الوزن نفسه عندما يحين الوقت لحسابه الأخير في الجنة.

جفف أليبيو وجه الرجل بمنديلٍ نظيف وأخذ المنشفة التي كانت على صدره. ثم حمل إليه المرآة لينظر الرجل إلى نفسه لعدة ثواني.

- " هل أنت راضٍ عن الحلاقة؟"
- " تقريباً".
- " حسابك ثلاث دولارات."
أخرج الرجل محفظته وانتزع منها خمس دولارات.
- " احتفظ بالباقي."
- " شكراً " دمدم أليبيو والأسى يظلل وجهه.

وقف الرجل قبالة مرآة الصالون الكبيرة وعدّل قميصه وربطة العنق ثم قال: " لقد جئت هنا لأنهم أخبروني بأنك تبحث عني وتسعى لقتلي. ولكن لعلك الآن أدركت بأن القتل ليس سهلاً".

الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

الروائي محمد عبدالنبي يكتب عن فن التخلي:



ما بين سطرٍ واحدٍ وصفحةٍ كاملةٍ تتراوح محتويات فن التخلّي، المجموعة القصصية الأُولى للكاتب السعودي عبد الله ناصر والصادرة حديثًا عن دار التنوير، غير أنَّ أغلب القصص الواحد والثمانين مكتوبة في فقرةٍ واحدةٍ مِن بضعة سطورٍ، في كثافة قصيدة النثر وطرافتها، وطموح الأقصوصة أو النادرة إلى اكتناز العالم كله بين قوسَي تنصيصٍ.


لن يشعر القارئ بهويةٍ تقليديةٍ لكاتب هذه الأقاصيص، بمعنى قدرتنا على تحديد سياقٍ مُحدَّدٍ له، سياق مكاني وزماني وثقافي، إنه فقط يكتب في أيامنا هذه التي تنهزم فيها الحدود الحاسمة، على الأقل في الواقع الافتراضي، وتنحسر فيها أساطير نقاء العرق والنوع، على الأقل بين الأنواع الفنية، ويغيب فيها التشبث الأحمق بالخصوصية، على الأقل في بعض منتجات الفن والثقافة. كأننا أمام ذاتٍ عالميةٍ، تتحرّك بحريةٍ تامةٍ على خريطة جوجل إيرث، وبين روايات وأفلام وموسيقى وأعمال فن تشكيلي تنتمي جميعها إلى التراث الإنساني عمومًا والغربي خصوصًا واللاتين أمريكي تحديدًا. غير أنَّ الفن هُنا ليس لذاته، فكأنه مجرد ذريعةٍ للعبةٍ أشمل وأخطر، لعبة خلط الأزمنة والأمكنة، لتصير المرجعية الفنية والثقافية مجرد آلة زمن يسافر بها النص حُرًّا مرتاحًا، شأن الجدار الذي جمعَ أخيرًا بين رأس الوعل بعد صيده وتحنيطه والبندقية التي أردتْهُ، لكن يظل كلٌّ منهما له تاريخه وحنينه وتفضيلاته من قنوات التليفزيون التي تواجهه في أبديته المنزلية.


التقافز بين الأمكنة والأزمنة مُتَّكأٌ أساسيٌّ لإنتاج اللعب والمفارقة. آخر القصص بعنوان فارق هائل في التوقيت ترسمُ شخصًا عجولًا إلى درجة ابتعاده عن ظله وعدم قدرة أقداره على اللحاق به، وفي قصة قفزة الثعلب نرى العكس تمامًا حيث شخص تعدو الحياة أمامه ويظل متأخرًا لثوانٍ عن الإمساك بها، وتتكرر مثل تلك الألعاب المعتمدة على فوارق السرعة والتوقيت والاختلالات الزمانية والمكانية بحيث تشع عبر قصص الكتاب ككلٍّ، ففي قصة حياة سريعة يستيقظ أحدهم في عيد ميلاده الحادي والعشرين ليجد نفسه قد بلغ الأربعين بشاربٍ عثمانيٍّ وامرأة سمراء تتصرف كما لو كانت زوجته، وهناك آخر يختزن الوقت ليتصرَّف فيه عند الحاجة إليه في قصة حياة على الرف.


يتعانق المشهد السردي والتعبير الشعري لإنتاج دراما صغيرة محبوكة لا تتجاوز الأسطر المعدودة، سِمتها الطرافة وقوامها المفارقة، أحيانًا كانت تتوزّع المفارقة على كامل النص فتضيئه إضاءةً متساوية، وأخرى كانت تُحتجز للسطر الأخير لتلعب لعبة التنوير القديمة فتفترب بالنص من المزحة التي قد تُقرأ مرة واحدة وكفى، غير أن خفة الروح لا يُمكن إنكارها عبر الكتاب، مهما قابلتنا بين الحين والآخر نصوص شجية عن الأب والحبية أو المرض والموت، تبقى تلك الابتسامة المعلّقة بين الضحك والمرارة، تبقى تلك المساحة التي يتداخل فيها ما يُسمى الواقع بما يُسمى المنتج الثقافي والفني، إذ يتحوّل المجاز إلى حقيقة وإذ يتساءل قط في إحدى القصص متى تحوّل إلى مجاز. ثمّة فكرة هاربة كأنها فراشة مضيئة في الليل، وراء كل قصة/فقرة، غالبًا ما استطاع الأسلوب أن يغويها ويصيدها ويضعها في إطارها المناسب ليبرز لُطفها، والكتاب ككل كأنه تحية إعزاز وتقدير للفنانين والكتّاب في كل زمان ومكان، كأنهم عائلة واحدة ممتدة أو رابطة سرية من المعاتيه وعشّاق الجمال والحياة.


تحكي إيزابيل أللندي في كتاب أفروديت عن معلّم اليوجا والتأمل ذلك الذي طلبَ منهم أن يأكلوا ثمرة عنب واحدة - أم كانت ثمرة كريز؟ - في نحو عشر دقائق – أم رُبع ساعة؟ - لتكتشف هي والمتدربون معها في الصف أنه يمكن لثمرة واحدة صغيرة أن تصير وليمة حقيقية للحواس إذا ما منحناها كل الانتباه والتقدير، تذكرت هذه الحكاية بينما أتذوق على مهلٍ بعض نصوص كتاب فن التخلّي، مرةً بعد أخرى.

الجمعة، 30 سبتمبر 2016

هل أحلم الآن؟ - ميغيل كوريا موخيكا





أحلم الآن.
يبدو الآن كل شيءٍ بشعًا.
يبدو الآن كل شيءٍ أكثر بشاعةً ممَّا لو كنت صاحيًا؛ لأن الأمور في اليقظة لا تحدث بهذه السرعة الهائلة.
في هذا الحلم الذي أحلمه الآن، تحدث كل الأشياء دفعةً واحدةً وبلمح البصر، بينما تحدث في اليقظة على مراحل.
لهذا لا أطيق الانتظار حتَّى أصحو.
في هذا الحلم، يكسرون اثنين من أضلاعي. يؤلمني ذلك بالقدر نفْسه كما لو كنت مستيقظًا، ولكني أعرف بأنني أحلم، وبأن هذا الألم ليس إلا فانتازيا. عندما يكسرون أضلاعك في الحلم، سوف تتألم كما لو أنهم يكسرونها في الحقيقة. هذا ما يجعلني أتأخَّر كثيرًا في الذهاب إلى النوم؛ لأني أعرف ما الذي ينتظرني هناك. تحدث الأحلام هنا حتى قبل النوم. تهاجمنا أحيانًا في منتصف الطريق، في الظهيرة بينما نقف في طابور إلى منتزه لينين. حاولتُ تفادي هذا الحلم، حاولتُ الهرب منه، منفقًا الكثير مِن الوقت، وأنا في السرير، في التفكير بالأموال التي اقترضتُها. لم ينتظرني هذا الحلم حتَّى أغمض عينيَّ، لا يمكنه الانتظار كل هذا الوقت. بدأ الحلم في الحدوث ظانًّا بأني قد استغرقتُ في النوم. كنتُ مستيقظًا بلا نعاسٍ مثلما أنا الآن. صار الحلم فوقي بالفعل، وأخذ يكسر أضلاعي. فتحتُ عينيَّ حتَّى يراني مستيقظًا، ولكن في ذلك الوقت لم يعدْ مِن الممكن أن يتوقَّف. كان يكسر أضلاعي - هنا، هذان الضلعان -  ويحرق وجهي بالأسيد الذي عثر عليه في الحمَّام. آلمني ذلك جدًّا كما لو أني أحلم، لذا حاولتُ أن أنام، ونمتُ فعلًا. ولكن الألم بقي كما هو، لولا أنه صار الآن مُتخيَّل. هذا أجمل ما في النوم، على الرغم مِن أنك تتألَّم بالقدر نفْسه، تعرف بأنه ألمٌ مُتخيَّلٌ، وبأنَّ أضلاعك في الصباح ستكون في المكان نفْسه، لا كسور على الإطلاق. ولكني أحلم الآن وأُكابد ألمًا مُروِّعًا. آه، متى سأصحو مِن الحلم، وأتخلَّصُ مِن هذا الألم الذي لا يُطاق. ولكن إذا استيقظتُ، عليَّ الذهاب إلى الوحدة العسكرية، لديَّ موعدٌ في الغد، في الصباح الباكر. أُفضِّل البقاء في هذا الحلم حتَّى ولو عذبني. ولكن هذا الحلم ذكيٌّ حقًّا، أيقظني مِن النوم -في الحلم-، وها أنا الآن في الوحدة العسكرية. سجَّلوا أسماءَنا، وأخذونا إلى الشاحنات. نسيتُ فرشاة أسناني، ولكني صرتُ بالفعل في الشاحنة التي ستحملنا بعيدًا جدًّا. أين سيذهبون بنا؟ يا لفظاعة حلم اليوم. الأمر الجيد هو أني أعرف أنَّ هذا ليس أكثر مِن فانتازيا، وأني سأصحو في وقتٍ ما، وأتناول الإفطار الذي أعدته أمي. ولكن ليس بوسع المرء أن يصحو متى شاء، بل يصحو متى شاءت الأحلام. عندما أستيقظُ أخيراً في الغد، يجب أن أذهب إلى تلك الوحدة العسكرية. يا للأسى. ولكنني أحلم الآن على متن هذه الشاحنة. أتكون الخدمة العسكرية بهذا الشكل؟ وصلنا بعد أربعة عشر ساعة خانقة، لم نصلْ إلى أيِّ بيتٍ، لم نصلْ إلى أيِّ مدينةٍ: نقف قبالة حقل قصب السكر. أعطونا مناجلَ حادَّةً -يا له مِن حلمٍ مُروِّعٍ- يجب أن أجزّ ستمائة طن من قصب السكر. لا أستطيعُ؛ فالحرارةُ عاليةٌ في هذا الحقل، وفي هذا الحلم. هناك الكثير مِن العشب وقصب السكر. أريد أن أستيقظ، لم أعدْ أتحمل حلم اليوم. أيها الرب، أرجوك أيقظني. لقد انتقعتُ مِن العرق، ولم أقطعْ سوى القليل. ما عدت قادرًا على قطع المزيد. توقَّفتُ؛ لأستريح، وجاءني شرطيٌّ حيث أجلس، وأمرني بالوقوف. لن أقف، أخبرتُهُ بذلك. قال إذا لم أقف خلال نصف دقيقةٍ، ولم أقطع كل قصب السكر، سوف يعتقلني. هيا اعتقلني، قلتُ. وقد فعلها حقًّا، وها أنا الآن رهن الاعتقال. لا يسمحون لي بالخروج. على أيِّ حالٍ، ها هم يحملوني الآن لقطع قصب السكر. أقول لهم بأني لا أستطيع. وعندما يضربونني بالحربة، أحمل المنجل دونما وعيٍ، وأقطع عودًا صغيرًا مِن قصب السكر، يُعاودون ضربي هذه المرة بشكلٍ أقوى، أنزف الآن. الشمس، والأشواك، وهذا الدم يقطرُ على جسدي بالكامل. أودُّ أن أستيقظ يا ربي. أريد أن أصحو مِن هذا الحلم البغيض. ما زلتُ أقطع المزيد مِن قصب السكر؛ لأنني حتَّى الآن لم أتمكَّنْ مِن الاستيقاظ. جاء الشرطي مَرَّةً أُخرى، أستعجلُ مُتوتِّرًا، فأجرح أحد أصابعي. يقول الشرطي بأنني أتعمَّدُ ذلك، بينما أنفي ما يقول. يحكمون عليَّ بأعوامٍ أكثر. لا أعود قادرًا على تحمُّل المزيد. أحاولُ أن أصحو، أُقلِّبُ جسدي مِن جهةٍ إلى أُخرى؛ لعلِّي أسقطُ مِن السرير، وأصحو. يظنُّ الناس في هذا الحلم أنني مجنونٌ. يُشاهدونني وأنا أُسقِطُ نفْسي على العشب أثناء محاولاتي للصحو. يشدُّني الشرطيُّ إلى وضع الوقوف، فأشرح له أني نائمٌ فقط، وأرجوه أن يتركني وحدي. لديَّ موعد صباح الغد في الوحدة العسكرية. يحملني إلى زنزانتي. يمضي الوقت، وتمرُّ الأيام بذلك البطء المعتاد في أيام السجن. الليالي بطيئةٌ أيضًا. سأبقى في هذه الزنزانة حتَّى ينتهي هذا الحلم. أذهبُ إلى النوم، أستلقي على المرقد، وسأحلمُ بحلمٍ قذرٍ داخل هذا الحلم القذر. ها قد علق بي حتَّى قبل أن أنام. في الحلم يكسرون اثنين مِن أضلاعي، أتقلبُ على السرير، أطردُ الحلم بعيدًا، ولكن لا أعود مُتأكِّدًا ما إذا كان الأمر مجرد فنتازيا، أو شيئاً آخر.

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

أصوات في رأسي - جاك هاندي




لا أعرف أبداً متى ستبدأ في محادثتي تلك الأصوات التي في رأسي . قد أخرج من شقتي وأتطلع إلى الغيوم، فتخبرني الأصوات فجأة بأنها قد تمطر وبأنه لا بد من العودة لإحضار المظلة. أطيعها في بعض الأحيان وأذهب للإتيان بمظلتي، وفي أحيانٍ أخرى أستجمع قواي وأرفض الامتثال لها. ولكنها لا تدعني أنسى هذا العصيان، خصوصاً عندما تمطر. تبادر إلى القول: " لقد كنت على علمٍ بذلك، كان عليك أن تجلب المظلة. لماذا لم تحضرها؟"

لا أتوقع منك أن تفهم كيف تبدو تلك الأصوات التي في رأسي وهي تشير إلى ما يجب فعله. ولكن الأمر أشبه بكابوس أعيشه طوال الوقت. الآن على سبيل المثال، تقول الأصوات بأن عليّ تغيير كلمة " كابوس" إلى " جحيم ".

بمجرد أن أصحو تعذبني الأصوات. تقول: " انهض واذهب إلى الحمام لكي تتبول ". وهكذا طوال اليوم لا تتركني: " جد شيئاً لتأكله "، " خذ قيلولة "، " اذهب إلى الحمام مرةً أخرى "، " تجهز للنوم " ولا تتوقف أبداً حتى أثناء النوم، تدعوني إلى الاستيقاظ والتبول. أخشى ما أخشاه أن تدعوني تلك الأصوات إلى القيام بعملٍ جنوني مثل البحث عن وظيفة. 

ظننت بأن معاقرة الكحول ستهدئ تلك الأصوات ولكنها بالعادة تجعلها أسوأ. تقول " اذهب إلى ذلك الرجل وأخبره بانطباعك الحقيقي حوله " أو " اصعد فوق تلك الطاولة وقم بالرقصة الظريفة للكاوبوي."

اعتادت تلك الأصوات أن تحدثني عن البيتلز. في صغري، كانت تشير علي أن أشتري ألبوماً محدداً. أجيبها بأنني لا أملك أي نقود فتقترح علي أن أجز العشب لأكسب قليلاً من المال. " ولكنه عملٌ شاق ". " حسناً "، تقول الأصوات، " هل ترغب في اقتناء ذلك الألبوم أم لا؟" ( انتظر، ربما كان ذلك صوت أبي).

أمر أحياناً بأوقاتٍ طويلة نسبياً دون أن تخاطبني الأصوات، عند مشاهدة التلفاز أو النمل. أو عندما أستلقي على الأرض محاولاً النفخ على كرات النسيج لدفعها في سربٍ كبير، أو أثناء محاولتي التعرف على أكثر قططي خوفاً من الوسادة. ولكن سرعان ما تتلاشى هذه اللحظات الذهبية وتعود الأصوات.

ليت الأصوات تحدثني بما يعود علي بالنفع ولو مرةً واحدة. كيف أنطق بعض الأشياء بالفرنسية مثلاً أو أين اختفى قفازي. ولكنها لا تقول ذلك أبداً. لطالما سخرت مني أكثر من مرة في الواقع، تقول انعطف يساراً ويتبين لاحقاً أنه كان من الواجب التوجه إلى اليمين أو تشير علي بارتداء ربطة عنقٍ سخيفة. 

والأسوأ من ذلك أن الأصوات نفسها لا تعرف ما الذي تريده. تحدثني قائلةً: " قم وتحدث مع امرأةٍ جميلة " ثم تقول " لا، انتظر، تبدو جميلةً أكثر من اللازم بالنسبة لك "، " هيا اذهب فوراً "، " ماذا لو علمت زوجتك؟ " ( فلتحسم أمرك يا رجل ).

عندما تخبر أحداً بتلك الأصوات، يظن الناس بأنك مجنون، لذا لا تتفوه بكلمة، تجلس محدقاً بهم فيعتريهم الشك أيضاً بأنك مجنون. لن تسلم في كل الأحوال. 

خطر في ذهني التخلص من الأصوات باللجوء إلى طبيبٍ نفسي. ولكن الأصوات أكدت بأن العلاج سيكون مكلفاً وربما يستغرق وقتاً طويلاً على الأرجح. أن ألبس بنطالي وأتوجه إلى المترو ثم أعود عبره سالكاً الطريق نفسه لأخلع البنطال. من يدري؟ لعل الأمور تسير على ما يرام. أحياناً تكون الأصوات على حق.

وفي يومٍ من الأيام قررت ألا أتحملها أكثر. أن أخرس تلك الأصوات إلى الأبد. لم أتوصل إلى الطريقة، لذا أخفقت بطبيعة الحال. 

ربما كان الحل في التعايش معها والكف عن محاولة التخلص منها. ( في الحقيقة، لا أظن ذلك. أقولها هكذا فقط للأصوات )

هل بوسعي السيطرة الكاملة على الأصوات التي في رأسي؟ لا على الأرجح. هل يمكنني على الأقل تعديل نمط حياتي حتى لا تشكّل هذه الأصوات تهديداً عليّ أو على الآخرين؟ الجواب لا أيضاً.

ولكن لم أستسلم بعد. هناك شيء واحد تعلمته: قد تبدو هذه الأصوات متسلطة ولكنها في حقيقة الأمر ساذجة جداً.  



الجمعة، 26 أغسطس 2016

ثلاث قصص قصيرة جداً - انريكي اندرسون امبرت




  السجين

عندما أُلقيَ لويس أوغوستو بيانكي في الزنزانة، استغرق بضعة أيام حتى اكتشف أن بمقدوره التحلل إلى هواء والهرب مثل نسمةٍ بين القضبان ثم استعادة جسده في الجانب الآخر، والتسكع في الطرقات مزاولاً حياته كالعادة. كان ثمة عائق وحيد يتمثل في الحراس الذين يقومون بتفتيش الزنزانة. كان على بيانكي أن يترك كل شيء ويعود في طرفة عين محافظاً على صورة السجين. تلك مسألة ضمير! فلو تغافل السجانون لأصبح بيانكي حراً في الحقيقة. كان قد أعد جدولاً زمنياً لجولات الحراس حتى يتمكن من التسكع في المدينة خلال الساعات الأكثر - أو حتى الأقل - أماناً بلا خوفٍ من المقاطعة. كان بوده لو قضى الليل بطوله في الخارج على الرغم من كونهم قد اعتادوا على القيام بجولات مفاجئة في السجن. فقد اضطر أكثر من مرة إلى التحلل من ذراعي امرأة ما إن يشعر بهم وهم يفتحون الزنزانة. لم يكن راضياً على الإطلاق. أخذ يتخلى شيئاً فشيئاً عن قدرته على التبخر وآثر في النهاية البقاء في السجن.



  غيرة 

صَحَتْ إيليسا وهي تتعذب من الغيرة، كانت تحلم أن زوجها يغازل امرأةً أخرى، وما عذبها مثل شوكةٍ لعينة أنه إذا تجاسر على فعل ذلك في حلمها فما الذي لم يجرؤ عليهِ عندما كان ذلك الحقير وحيداً في أحلامه.



  البواب

كان على غوستاف الدخول إلى القصر لأمرٍ طارئ، لولا أن البواب استوقفه وأمره بالانتظار. جلس غوستاف قبالة الحارس وانتظر. وفي غضون ذلك، دخل أناس وخرجوا، دخلوا وخرجوا، بينما يبتسمون ويلقون التحية على البواب. تساءل غوستاف على استحياء: " وأنا؟ "
- " ليس بعد. "
انتظر غوستاف لأسابيع ولشهور. وفي أحد الأيام، طلب منه البواب أن يقف لدقائق بدلاً منه، ثم عاد بعد قليل. وفي يومٍ آخر، كرر البواب طلبه ولكنه غاب هذه المرة ولم يعد أبداً. أخذ غوستاف ينتظره لأسابيع ولشهور. بدأ الناس الذين يدخلون ويخرجون في تحيته مبتسمين بألفةٍ متزايدة.
أدرك حينئذ غوستاف بأنه قد صار البواب، ولكن لم يكن متيقناً بعد ما إذا كان عليه السماح لنفسه بالدخول إلى القصر، حيث ما يزال بحاجةٍ إلى أن يعتني بذلك الأمر الطارئ.





الجمعة، 19 أغسطس 2016

Mansoura Ez Eldin : فن التخلي.. فن الكتابة

Mansoura Ez Eldin : فن التخلي.. فن الكتابة: منصورة عز الدين من المفترض بالأدب أن يدفع القارئ للنظر بعين جديدة، أن يزيح ستارة الاعتياد عن عينيه ويدفعه لاكتشاف المدهش والمثير ...

الاثنين، 15 أغسطس 2016

أرامل مارغريت سولافان





مارغريت سولافان هو أحد الأسماء الحقيقية التي يندر وجودها في قصصي المبكرة، ويعود ظهوره إلى سببٍ بسيط. جميعنا نتورط في فترة المراهقة بعلاقات حبٍ مع نجوم السينما، وعادةً ما يكون ذلك الحب صارماً وتأسيسياً. نجمة السينما ليست امرأة تماماً، فهي أقرب إلى الصورة. وفي ذلك العمر، يبدو الوقوع في غرام الصور - بدلاً من النسوة اللائي من لحمٍ ودم - أولى الخطوات الطبيعية. ويتكفل الواقع بتعليمنا لاحقاً أن نجمة السينما - التي من الممكن بالطبع مشاهدتها والاستماع إليها - ليست أكثر من بديلٍ تافه لامرأةٍ حقيقية بمقدورنا شمّها وتحسسها وتذوقها أيضاً.

وبالرغم من كون الممثلة هي أول من تخطف أنفاسك وتبقيك ساهراً طوال الليل إلا أنها تمنحك فرصةً كي تعلن عن مشاعرك وتجمع منها ما يكفي لمسودة حبٍ أولى، بمقدورك مراجعتها في السنين القادمة مع فتاةٍ أو سيدة قد لا تشبه أول امرأةٍ حلمت بها، لكن بوسعك الإحساس بملمس يديها، بوسعك أيضاً تقبيل شفتيها دون الحاجة إلى مراسمٍ أو طقوس، ولا يتوقف الأمر عند الإعجاب بعينيها فقط لأنهما سيبادلانك الإعجاب نفسه.

على أية حال، تظل العلاقات السينمائية على قدرٍ من الأهمية. الجلوس وجهاً لوجه مقابل الصورة، والابتسامة، والعينين، كل هذا المرح الصاخب يدعو الفتى إلى اختبار قوته والقيام بأول شقلبةٍ عاطفية. تلك العلاقات، في النهاية، تخلو من المخاطر فالصورة تكون عادةً بعيدة المنال، هناك في هوليوود أو في سينيسيتا.

لقد كانت مارغريت سولافان تعني لي كل ما سبق. لم أكن مراهقاً بطبيعة الحال عندما قمت بكتابة تلك القصص، وإن تزامنت مع أفلامها الأخيرة، التي كانت تعرض في مونتفيديو بين الحين والآخر. لم أفوّت بالطبع مشاهدة أي عرضٍ منها. كانت مسودتي الأولى، في ذلك الوقت، قد تعرضت لمراجعاتٍ ضخمة لذا يمكنني النظر عن بعدٍ إليها بموضوعية، وبشيء من النستالوجيا الدافئة وحس الامتنان، كما ينظر أحدنا إلى الوراء نحو المرأة التي أخذت بيده وجعلته يخطو في طريق الحب لأول مرة.

في يناير ١٩٦٠ كنت برفقة زوجتي في نيويورك. والتقينا في إحدى الأماسي بأربعة أصدقاء من الأوروغواي، عقدنا العزم على تناول الغداء مبكراً، ثم التوجه إلى المسرح لمشاهدة نسخة خوسيه كوينتيرو الشهيرة من مسرحية " بلدتنا " لثورنتون وايلدر، التي كانت تعرض منذ بضعة شهور ومع ذلك لم يكن من السهل الحصول على تذاكرها قبيل العرض. لذا حالما ارتدنا مطعماً ايطالياً صاخباً توجهت إلى المسرح على أمل العثور على ست مقاعد شاغرة.

كان بائع التذاكر هو أول المفاجآت، لم يبدُ عليه ذلك، لا يشبه بائع التذاكر على الإطلاق. ولو ألح أحدهم في سؤالي سيكون من الشاق أن أخبره كيف يفترض بالضبط أن يبدو بائع التذاكر. كان ذلك الرفيق شاباً نحيلاً له نظارة سميكة ذات إطار أسود. يبدو كما لو كان تلميذاً في كلية الآداب أو عازفاً لآلة الكلارنيت، وكان بهو المسرح فارغاً مما ضاعف من آمالي لولا أن السبب ببساطة يعود إلى أن تذاكر العرض قد بيعت بالكامل. وعندما سألته ما إذا كانت هناك فرصة ولو ضئيلة في الحصول على ست تذاكر - ست فقط - حدجني بتقزز وسخرية: " ست تذاكر، والآن؟ من أي كوكبٍ أنت؟ " لقد كان محقاً فلم أكن متأكداً إذا كنت في الكوكب الصحيح. شعرت كما لو أني قروي يضحك عليه الآخرون لخوفه من استعمال الهاتف العمومي أو السلالم المتحركة. لم أغادر على الفور، وقفت أتأمل لدقائق صور الطاقم، ربما كنت أتمنى في سرّي لو أن أحدهم يأتي ليسترجع ثمن تذاكره الست.

وفي ذلك الوقت تحديداً رن الهاتف، امتعض الشاب مجدداً لأن ذلك من شأنه أن يقطع قراءته لمجلة النيويوركر أو لعله كان متعباً من تكرار الرد بصوته الساخط: " لقد نفدت جميع التذاكر ". ثم تغيرت تعابيره فجأة، نزع نظارته وأخذ يدمدم وهو ينشج: " لا، لا مستحيل ". ثم أغلق الهاتف فجأة بطريقةٍ آليةٍ ويائسة. كان محطماً بالكامل بينما كنت الشاهد الوحيد على نظرته القانطة. توجهت نحوه، بصرف النظر عن فظاظته، ظاناً بأنه قد يكون مريضاً. ربتّ بخفةٍ على كتفه حتى يدرك بأني لا زلت هناك ثم سألته ما الخطب؟ هل تلقى أنباءً سيئة؟ هل يمكنني مساعدته في أي شيء؟ نظر إلي - من غير نظارة - كما لو كان ينظر من خلال نافذة مبللة بالمطر.

" ماتت مارغريت سولافان ." قالها ببطء، مشدداً على كل مقطع، مثل أعزلٍ يشعر بالفجيعة. ثم جاء دوري ولكن بطريقةٍ مختلفة ولغةٍ مختلفة. غمغمت: " لا، غير ممكن." لم يفهم الشاب لغتي الإسبانية ولكنه أدرك قطعاً كم كنت حزيناً ومصدوماً. اتكأت على الجدار، كنت بحاجةٍ إلى دعم أي شيءٍ صلب. تبادلنا النظرات، أنا وبائع التذاكر، بدا مذهولاً لأنه لم يتوقع لقاء أحد أرامل مارغريت هنا وفي متناول يده الشاحبة. وفي تلك اللحظة، أدركت بعض الشيء أن ذلك الوميض الباهت لمراهقتي البعيدة أخذ يخبو للمرة الأخيرة.

وفجأةً مسح بائع التذاكر دموعه وسألني بصوتٍ مشحون بالصدمة والعاطفة: " كم كان عدد التذاكر الذي تريدها؟ ست؟ " فتح الدرج الصغير وأخرج منه ست تذاكر ثم قدمها إليّ. دفعت الثمن دون أن أتفوه بكلمةٍ واحدة. كان البقشيش في ذلك الظرف أشبه بالإهانة. من المستحيل أن يحدث هذا بين أرامل الحلم ذاته. بل لقد صافح أحدنا الآخر بقوة كما لو كنا أقارب، نشعر بما قد يشعر به جيمي ستيوارت، الذي شارك مارغريت في العديد من الأفلام.

وفي طريقي عائداً إلى المطعم الإيطالي، مسحت عيناي أيضاً، ولكن بطريقتي الخاصة، ليس براحة اليد وإنما بأصابعي. حقاً لا أدري لماذا بدا بائع التذاكر النزق وحسير النظر مصعوقاً ومدمَراً. أما بالنسبة لي فأنا أعرف السبب بالتأكيد، لقد كانت تلك المرة الأولى التي أفقد فيها إحدى حبيباتي.

* ترجمة بتصرف.

الأحد، 24 يوليو 2016

في متجر الملابس المستعملة - أندريس نيومان






للهواء رائحة الجلد المدبوغ، والكآبة المقصودة تجعل من الصعب رؤية الأشياء بطريقةٍ ملائمة. في الغالب، بدت جميع المعاطف في حالةٍ جيدة. ثبتتْ نظارتها، وأخذتْ تفكر في ذائقة زوجها التي لا يمكن التكهن بها، وتقع ما بين التقليدية وغريبة الأطوار. شعرت بحاجةٍ ماسةٍ إلى التدخين. سوف تزورها الدورة الشهرية هذا المساء أو في صباح الغد على أبعد تقدير. الخنجر اللحوح أسفل سرّتها، وامتعاضها من كل شيء، ليس إلا مؤشرات تسبق قدومها.

أخذتْ معطفاً عريضاً بني اللون وتفحصته للحظة ثم أعادت تعليقه. انتزعتْ معطفاً أسود ذو ياقة مدببة وأعادته أيضاً، تناولتْ معطفاً طويلاً لونه رصاصي وله بطانة عند الكتفين. فكرتْ بخبث، يبدو ذكورياً جداً، أعادتهُ إلى الرف، حتى توقفتْ عند معطفٍ غامق وتأملته بإعجاب. يبدو ملائماً جداً لذائقة زوجها الكلاسيكية. بوسعها رؤيته بنقاءٍ هائل بهذا المعطف، كما لو أنها فعلاً قد شاهدته وهو يرتديه، كما لو أنه ينتمي إليه تماماً. في الحقيقة، ها هي تفكر الآن، يكاد المعطف أن يكون مماثلاً لذلك الذي أهدته زوجها في الكريسمس قبل الماضي. ولكن مستحيل، تحاول عبثاً أن تتأكد. تتحقق من البطانة وعرى الأزارير والأكمام، يبدو كل شيءٍ مطابق. ولكن كيف لها أن تتذكر شكل الأزارير بالضبط أو حتى الماركة. القياس نفسه أيضاً، وإن كان قياس زوجها لا يختلف كثيراً عن أغلب الرجال. شد المرفقان انتباهها، يبدوان في حالةٍ جيدة، قد يكون المعطف نفسه وقد لا يكون.

توقفت لتتروى في الأمر، كيف انتهى الحال هنا بذلك المعطف؟ لماذا يبيع زوجها هدية الكريسمس؟ لم تكن حياتهما تمضي على نحوٍ جيد في العام الماضي، ولكن لم تكن بهذا السوء، أو لعلها كانت كذلك؟ جاهدتْ لكي تتذكر مجادلاتهما الأخيرة. لا، لا بد من وجود أسبابٍ أخرى. لعله كان يكره المعطف ( يا للأناقة هكذا هتف، لا يمكنكِ أن تتصوري كم كنت بحاجته ) أو لعله لم يجد عذراً آخر لعدم ارتدائه فقرر بيعه والتظاهر بفقدانه لاحقاً ( يبدو عليّ رائعاً، رائعاً جداً، كما أصر بقوله ) ولكن زوجها لم يذكر شيئاً يتعلق بضياع المعطف. كما أنها في الوقت نفسه لا تتذكره أبداً وهو يرتديه ما عدا تلك المرة الأولى التي قام بتجربته في البيت. عاودتْ تأمل المعطف مرة أخرى ثم أعادته. هذا هو المعطف حتماً، وربما لا يكون المعطف نفسه. لا يمكنها أن تكون جازمة. شعرتْ بذلك الخنجر يتلوى في معدتها مجدداً. طاف الوجع في رأسها وأخذ يضغط نزولاً على عمودها الفقري.

كانت قد قضت النهار بطوله ( وكل حياتها ) مشياً على قدميها. متى كانت آخر رحلة لهما؟ متى انطلقا لوحدهما في رحلة حقيقية؟ لم يكن في حوزتهما الكثير من المال، أو قبل كل شيء ربما لم تكن لهما مبررات للسفر معاً. ولكن كيف جاء هذا المعطف الجلدي الغامق إلى هنا؟ فتشتْ بداخل الجيوب لعلها تجد برهاناً يؤكد شكوكها. لقد كانا فارغين.

تناولتهُ مرةً أخرى ومضت به إلى البائعة التي كانت تطلي أظافرها خلف الكاونتر، وفي أنفها زمام على شكل نجمة، وسألتها إذا ما كانت تتذكر الشخص الذي باعهم هذا المعطف. حدقت البائعة ولوتْ جزء من شفتها العليا ثم أجابت بنبرةٍ حادة: وكيف من الممكن أن أعرف ذلك؟ الكثير من الناس يأتون هنا. توسلت إليها لكي تبذل قليلاً من الجهد وهي تنظر في عينيها. ولكن البائعة استهجنت سؤالها وعادت لتغمس فرشاة المناكير. هل يمكنكِ على الأقل أن تخبريني منذ متى كان هذا المعطف لديكم؟ ألحّت في السؤال.

تنهدت البائعة وتوقفت عن طلاء أظافرها ثم انتزعت منها المعطف باحثةً عن الملصق. حسناً لقد كان هنا منذ يناير الماضي، وعادت لتواصل طلاء أظافرها. سأقوم إذن بشراءه، حملت المعطف وقالت: إنه عيد ميلاد زوجي، أود أن أقدم له هذه المفاجأة.


الاثنين، 20 يونيو 2016

طرق الذهاب إلى البيت - اليخاندرو زامبرا




... وفي الصباح تظاهرت بالمرض حتى أنام أكثر من المعتاد، خرج والداي بعد سيلٍ لانهائي من التعليمات، فذهبت لإعداد الإفطار ثم بحثت عن الشريط الذي يحوي أجمل أغنيات رافاييل. كانت والدتي قد قامت بتسجيلها من الراديو. وعندما حاولت تشغيله لسوء الحظ انزلق إصبعي لثوانٍ على زر التسجيل الذي أفسدته عندما كان الكورال يردد أغنية " لا أحد يعرف شيئاً ".
كنت يائساً وبعدما فكرت قليلاً قررت أن الحل الوحيد هو أن أغني بدلاً من الكورال. بدأت في التمرن على تغيير صوتي حتى بدا لي مقنعاً ثم قمت بالتسجيل على الفراغ، واستمعت إلى النتيجة عدة مرات. يمكن القول بقليلٍ من التسامح أنها كانت جيدة على الرغم من غياب الموسيقى في تلك الثواني.
ربما ينهرني والدي ولكن لن يصفعني. إنه لا يصفع أبداً. لم يكن الضرب من صفاته فهو يفضل تلك العبارات المنمقة والتي تبدو مدهشةً في البداية، ذلك لأنه يقولها بجدية ممثلٍ في الحلقة الأخيرة لمسلسلٍ إذاعي : " لقد خاب أملي بابني الوحيد، لن أغفر لك أبداً ما فعلته، هذا السلوك غير مقبولٍ على الإطلاق .. الخ".
على الرغم من ذلك، كنت على الدوام أملك هاجساً بأنه في يومٍ ما سوف يضربني حتى الموت. لطالما توجست في طفولتي من هذه الحادثة التي لن تقع أبداً. وقد تسبب هذا الوسواس بمعاناتي طوال رحلة العودة إلى سانتياغو. لذا بادرت إلى التصريح بسأمي من رافاييل وبأنه من الأفضل أن نستمع إلى أدامو أو خوسيه لويس رودريقز.
قالت والدتي : "ولكني ظننت بأنك تحب رافاييل؟".
فأجبت بأن كلمات أغاني أدامو أجمل بكثير. أفلت الأمر من يدي فانخرطت في جدلٍ طويل يتعلق بأيهما أفضل حتى أنني أقحمت عبثاً خوليو ايغليسياس الذي لم يكن أياً منا يستمع إليه.
قال والدي بأننا يجب أن نستمع إلى شريط رافاييل لنتحقق من قيمته الغنائية. وعندما غنى " لا أحد يعرف شيئاً " كان لا بد أن أبتكر من جديد خطةً يائسة : الغناء بصوتٍ عالٍ منذ بداية الأغنية وفكرت بأنه عندما يحين دور الكورال سيعلو صوتي بشكلٍ مضاعف. صرخا والداي معترضين على غنائي ولم ينتبها إلى خدعتي، وما أن صرنا في البيت حتى ذهبت لأدفن الشريط في حديقة الورد فعثرا علي. لم أجد بداً من الاعتراف وقول الحقيقة بالكامل. ضحكا كثيراً واستمعا إلى ذلك التسجيل أكثر من مرة.
ثم جاؤني في الليل ليعلنا عن عقابي بعدم الخروج لأسبوعٍ كامل من المنزل. فاعترضت بغضب : " ولكن لماذا العقاب وقد ضحكتم كثيراً؟"
أجاب والدي : " لأنك كنت تكذب."*

* ترجمة بتصرف

الأحد، 29 مايو 2016

تأملات اندريس نيومان في كتابة القصص القصيرة *





- الصوت هو من يقرر الحدث لا العكس.
- القصص الدائرية تماماً تطوق القارئ فلا تسمح له بالخروج كما لا تسمح له بالدخول أيضاً.
- ليس للقصة القصيرة جوهر، فقط بعض العادات.
- كل قصة قصيرة تنتهي في الوقت الصحيح يمكنها أن تبدأ مرةً أخرى بشكلٍ مختلف.
- الانفعالات المنضبطة تفضي إلى السحر أما تلك المنفلتة فلا تصنع غير الألاعيب.
- في السطور الأولى تكون حياة القصة على حافة الخطر وتُبعث من جديد في السطور الأخيرة.
- تظهر الشخصيات في القصة بعفوية، تمر بجانبنا وتمضي في سبيلها.
- كتابة قصة قصيرة أشبه بالقدرة على الاحتفاظ بالسرّ.
- تُحكى القصص بصيغة الماضي ولكنها تحدث الآن دائماً.
- المبالغة في تعقيد الأحداث المتناقضة تصيب القصة القصيرة بالأنيميا وقد تخنقها حتى الموت.
- في القصة القصيرة، يمكن للدقيقة أن تكون لا نهائية كما يمكن للأبد أن يطوى في دقيقة.
- السرد يشبه الغواية: إياك أن تشبع فضول القارئ بالكامل.
- المراجعة تعني الاختصار.
- إذا أخفقت في إثارة المشاعر، لا بد أنك أخفقت في كتابة القصة.
- تعرف القصة القصيرة متى يجب أن تنتهي وتُبدي التزامها بذلك. عادةً ما تنتهي قبل زمنٍ طويل من خيلاء القاص.
- لا تفسير للحبكات الجيدة.
- الحرية القصوى في القصص القصيرة تكمن في احتمالية البدء من الصفر كل مرة.
- السكون هو فن الأشياء التي على وشك الحدوث.


* بتصرف

الأربعاء، 25 مايو 2016

الرجل الذي اعتاد أن يقول له الناس: لا - جيورجيو مانقانيللي






ينتظر الشاب أن تضيء إشارة المشاة ليقطع الشارع في طريقه إلى منزل امرأةٍ ينوي التقدم لها، راجياً أن يُرفض. لطالما كان جيداً في دفع الناس إلى قول " لا " وفي العيش عموماً في محيط رفضٍ دائم. وعندما يُقبل عرضه في حالاتٍ قليلة، يبدو قادراً على إثارة فوضى مروعة. من حيث المبدأ، كان يتوقف عن لقاء امرأةٍ أجابت ب " نعم ". في الحقيقة، لم يكن حتى يحب تلك المرأة التي ينوي بطريقةٍ ما أن يعرض عليها الزواج، ولكنه يفترض بأنها تتوقع منه ذلك، وليس بمقدوره أن يعصي رغبة امرأةٍ - وإن أخفتها على نحوٍ صارم - لا ينكر إعجابه بها. هل كان ذلك الشاب، الذي من الممكن أن يعشق تلك المرأة، سينفر بشكلٍ أقل فيما لو قالت " نعم ". هو يفترض بطريقةٍ ذكوريةٍ وصريحة - وإن لم تسنح له الفرصة لتجربة تلك الطريقة الذكورية والصريحة - ولكنه في الحقيقة وبشكلٍ غير طائش على يقينٍ بأن النهاية ستكون على أية حال " لا "، وبأنه يجب على تلك المرأة أن تتمرن على حقها في الرفض، بالإضافة إلى رغبته الواضحة في أن يكون الجواب " لا " لترضي معاً - رغبة المرأة ورغبته الأكثر حميمة في أن يقال بأنه لطالما تجنب الوقوع في الحب -. كان انطباعه صائباً حول اختيار تلك المرأة: وديعة، لطيفة، جميلة وتخشى ألا تكون كذلك، من المؤكد بأنها سترفضه بلباقة. ستقول بأنها تشعر بالإطراء أو ستقول شيئاً نبيلاً ورفيعاً وتحدثه عن الصداقة أو ربما تعترف بأن قلبها يميل إلى رجلٍ آخر. باختصار، سوف لن تعقّد مأموريته في التقدم إليها، لأنه في النهاية يقوم بكل هذا في الأساس ليسعدها. يتمنى من كل قلبه ألا يقع في فخٍ من سوء التفاهم المؤلم، ذلك أن الخبرة قد علمته بأن " نعم " هي ببساطة " لا " احتياطية، هي لاءان متناغمتان بلا أذى وبشكلٍ مريح بدلاً من " لا ". مليئاً بالثقة، يقطع الشارع الآن كما لو أنه لا يقود نفسه إلى حياةٍ جديدة.


* ترجمة بتصرف.


الاثنين، 23 مايو 2016

الملابس ـ أندريس نيومان





" كان أرستيدس معتاداً على الذهاب عارياً إلى العمل. وكنا نحسده جميعاً، ليس على جسده فلم يكن مثيراً للإعجاب، ولكن على تلك الثقة، وقبل أن نتمكن من الضحك كان يرمق ملابسنا موبخاً ثم يدير لنا ظهره ومؤخرته الشاحبة والخالية من الشعر.

" هذا الأمر لا يطاق " زمجر رئيس الإدارة عندما شاهده للمرة الأولى يتجول عارياً في الممر. فما كان من أرستيدس إلا أن أيّده بقوله: " فعلاً، فالجميع هنا يتأنقون بشكلٍ مروّع".

ونظراً لكوننا في الربيع افترضنا بأن الوضع لن يدوم حتى مطلع الخريف وبأن الطقس في النهاية سيعيد الأمور إلى نصابها. وفي نوفمبر، جرت الأنهار وعادت الأمطار إلى المجارير، والسحالي إلى المستنقعات ولكن شيئاً لم يتغير في أرستيدس بخلاف ارتعاشة أكتافه الخفيفة كلما انتهينا من العمل وخرجنا إلى الشارع. " لم أسمع بمثل هذا "، صاح رئيس الإدارة متدثراً بمعطفه المطري فأجابه أرستيدس بشكلٍ مرتجل: " فعلاً، فلم تثلج بعد".

وبمرور الوقت، حلّ التقديس بطريقةٍ بطولية مكان التمتمة. كان الكل راغباً في التسكع مثل أرستيدس، أن نمشي مثلما يمشي وأن نكون مثله بالضبط. ولكن أحداً لم يتُق إلى المبادرة بالخطوة الأولى حتى ذلك الصباح القائظ - ولأن بعض الأشياء لا بد من حدوثها - جاء أحدنا وهو يرتجف بلا ملابس. لم تُسمع ضحكة واحدة، بل على العكس عمّ صمتٌ سحيق، وبعد فترةٍ من الوقت صرنا نثرثر بإعجاب. نتأمل هذا الجسد العاري وهو يستعرض في الممر بينما يتظاهر البعض بأنه لا يرى شيئاً ويواصل عمله كما لو أن شيئاً لم يحدث. وبعد بضعة أسابيع على أية حال كان من النادر أن تجد أحداً بملابسه في المكتب. كان رئيس الإدارة هو آخر من أذعن: سبقنا إلى الظهور يوم الاثنين بكرامته الخائرة وجسده المشعر والمقزز بعيداً عن أناقته المعتادة. وفي تلك اللحظة شعر جميع الموظفين بالقوة والراحة. صرنا نتجاوز بعضنا البعض في الممر بصخبٍ ومرح، يصفع أحدنا مؤخرة الآخر بينما نستعرض عضلاتنا. وكلما آزرتنا عينا أرستيدس قابلناها بتجهمٍ وازدراء. 

أُدرِك أنه من الصعب مقاومة الشتاء، فلم يتبق عليه سوى أيام قليلة. جلدي أخبرني بذلك وعضلات أكتافي التي تنكمش كلما غادرت المكتب. بالرغم من تلك العوائق، أكثر ما يعذبني شعوري بالسذاجة كلما تذكرت السنوات التي قضيتها بملابسي. فأنا مستعد للبقاء هكذا - طوال الوقت الذي يحتاجه الآخرين لإدراك شجاعتي - حتى ولو استلزم الأمر أن أبقى آخر عارٍ في المكتب.

بالرغم من ذلك - لسببٍ ما - لا زلت أشعر كلما ذهبت إلى العمل بأني لست مثل أرستيدس. لنقل بأني أحاول كل صباح ولكن لا، لسنا سواسية*


* ترجمة بتصرف

الاثنين، 16 مايو 2016

ترجمة مقتطفات من رواية اندريس نيومان.





" .. أولئك الذين يعيشون بلا أطفال يعتقدون بأنهم يمتصونك حتى الجفاف - وهذا ما يفعله الأطفال حقاً، أقسم على ذلك - ولكنهم لا يدركون بأن تلك الطاقة التي يكرعها الأطفال مثلما يكرعون الماء من الحافظة نسرقها منهم بالمقدار ذاته تماماً. الأمر شبيه جداً بالدائرة الكهربائية.

أشعر أحياناً بأن الأمومة ثقب أسود، مهما وضعت بداخله لا يكتفي أبداً، ولن تعرف أين ذهب كل ذلك. وفي أحيانٍ أخرى أشعر بأني مصاصة دماء تقتات على طفلها بالتهام حماسته لكي تتابع إيمانها بالحياة.

ولكن الطفل أيضاً أشبه بصندوق إيداع، وإن بدا ذلك أنانياً. تستثمر فيه وقتك وتضحياتك وتوقعاتك آملاً أن يقرّ لك بالعرفان مستقبلاً. كنت قد تجادلت البارحة مع أختي حين قلت بالحرف: "الطفل عبارة عن استثمار." قالت بأنها فكرة مريعة، لا يمكن أن تُفهم الأمومة من خلال مصطلحاتٍ اقتصادية، ومهما يكن من أمر لا تقولي شيئاً من ذلك أمام ليتو.

ولكني لا أرى الأمر بهذا السوء، فالأطفال أيضاً يضاربون بالحب، ويقضون حياتهم في إجراء حساباتٍ دنيوية: عندما أتصرف جيداً سأحصل على ذلك الشيء، وإذا ما تصرفت على نحوٍ سيء سينتزعونه مني، وإذا كنت لطيفاً مع أبي سوف أحظى بزيادةٍ مالية في بعض الأيام، وفيما لو كنت طيباً مع أمي يمكننا نحن الاثنان أن نفاوضه على تلك الزيادة. هكذا نحن في الحقيقة.

يوماً تلو الآخر تضع بداخل طفلك أفضل وأسوأ ما فيك. وبمرور الوقت تتسائل: هل يلاحظ شيئاً؟ هل سيتذكر؟ هل سينعكس ذلك عليه إيجاباً؟ وبما أنك لست قديساً تتسائل أيضاً: هل يدرك ما تفعله؟ هل سيجازيك على ذلك؟ هل يرغب في رعايتك لاحقاً؟".

---


" .. وكان عليّ أن أتولى مسئولية رماد ماريو، هكذا قال لي الناس، ولكن هل ينبغي أن أبقي عليه؟ والأهم هل يمكن لذلك الرماد أن يكون شخصاً؟ نصف الرماد لكي أكون أكثر دقة! نصفه لي والنصف الآخر لإخوته. يريدون أن يزرعوا شجرة، وأريد أن أنثره في البحر. وفي النهاية قررنا أن نتقاسمه بالتساوي.

سبق وأن تناقشت مع ماريو بخصوص جنازتينا، تحدثنا حولهما عندما لم يكن لذلك أي معنى. وعندما باتت حالته أكثر خطورةً ما عدت قادرةً على الحديث. حتى ماريو بكل غرابة، لا أدري ما إذا كنا اتخذنا القرار أو كنا نتغافل. ربما أراد أن يكون لي الخيار. ولكن هذا يثقل علي، كنت أفضّل الامتثال لوصيته دون أن تجرفني كل هذه الحيرة. حاولت أن أفاتح ليتو بطريقةٍ لطيفة ( لطيفة؟) لمعرفة رأيه. لامستني إجابته وأربكتني لأنه يتفق في النهاية مع عمومته. قال أنه يفضّل الشجرة، لأن جذورها قد تنمو وتكبر أسفل التربة وربما بعد سنوات - في يومٍ ما - يصعد فوقها، فوعدتهُ أن نقوم بزراعة شجرةٍ مع عمه جوانقو.

الشجرة ثابتة، والبحر يعود دائماً. كنت على حق.
ولكن الشجرة تنمو على عكس البحر، لقد كانوا على حق.
ولكن الشجرة تشيخ، والبحر يتجدد من تلقاء نفسه. الحق معي.
ولكن من الممكن أن نحتضن الشجرة أما البحر فيتملص، كانوا على صواب.
ولكن؟

أمس، قدت السيارة طوال اليوم مع نصف الرماد، غبار ماريو على المقعد المجاور، توجهت إلى الساحل في صمتٍ مهيب كما لو أني أنصت إلى أحد الراكبين. أريد أن أتذكر البحر كلما فكرت بماريو. أريد أن أشطف بعيداً تلك الذكريات الأخيرة، وأغسل جسده المريض وأن يغرق ذلك المستشفى الخرائي في الملح.

تأملت البحر بينما أخوضهُ وأفكر في ماريو. ليس ماريو المريض، ولا والد طفلي ولا حتى ذلك الشاب الذي وقعت في غرامه أيام الجامعة. فكرت بماريو بعيداً عني، كشخصٍ لم يلتق بي أبداً. ربما عاش في حياةٍ موازية، وُلِد في مكانٍ آخر - وإن بدا ذلك ساذجاً - وعرفت حينها أن المكان لا يهم وإنما الوقت الذي نمضيه في البحث عنه.

غرست يدي في الرماد، لامسته للمرة الأولى وقد كان أكثر غلظةً وكثافة مما توقعت. وباختصار، لم يكن يشبه الرماد على الرغم من شعوري بأنه قد يحوي بداخله ماريو، رفعت ذراعي ونثرته في الهواء فعاد إليّ، وبينما هو كذلك، لامس وجهي فشعرت بأني قمت بواجبي حتى فرغت كل الرماد فتخيلت أني أزرع البحر. لم يبدُ ذلك محزناً، فقد تناثر ذلك الرماد وتماسكت أجزائي. وخطر في بالي وأنا أغادر الماء بأنه يستطيع السباحة الآن"*


* بتصرف.


السبت، 23 أبريل 2016

هايكو - اليكسس روتيلا






تمحو آثامي
أنفاس الكاهن
المعطرة بالثوم
.
في المقبرة
لماذا 
نتهامس؟
.
أقراص للنوم
بحجم
القمر
.
من مريضٍ   إلى آخر
يدمدم الطبيب
شكراً للتأمينات
.
اسبرسو الصباح
كم سأفتقده
بعد الموت
.
في البطاطا المهروسة
تركتْ النادلة
بصمتها
.
الاحتمالات
إسمنت
رطب
.
النبيذ
يحسّن
لغتي الفرنسية
.
موزارت
روشيتة الدكتور
مرتان في اليوم
.
معالجتي النفسية
تحدثني
عن مشاكلها
.
" أخرجوني من هنا "
يقول والدي
في غيبوبته
.
قبل أن يقفز
خلع المنتحر
ساعته الذهبية
.
أجاب
على رسالتي
صمته الطويل
.
كيف أوضاع العمل
أسأل
الحانوتي
.
" فلتأكلي كل 
ما في الطبق "
قلت لأمي العجوز 
.
كان صندوق الألعاب هذا
فيما مضى 
كل حياتي
-
في المرآة
ينعكس حزن أمي
على وجهي
-
امرأة 
بعربة التسوق
تدفع الريح
-
يصلون 
حتى لا أذهب للجحيم
أصدقائي الكاثوليكيين

السبت، 9 أبريل 2016

صدور مجموعتي القصصية " فن التخلي " ..



تجدونها في معارض الكتب التي تشارك بها دار التنوير وفي موقع النيل والفرات وقريباً في مكتبات جرير بإذن الله.

الخميس، 25 فبراير 2016

القسّ بيركلي أو ماريانا الكون ـ ليليانا هيكر




"كم تبقى من الوقت لتعود أمي إلى البيت؟"
كانت تلك المرة الرابعة التي تطرح ماريانا ذلك السؤال. في المرة الأولى أجابت شقيقتها لوسيا بأنها ستعود بعد قليل، وفي الثانية تذمرت: كيف من الممكن أن تعلم متى ستعود إلى البيت، وفي الثالثة التزمت الصمت واكتفت برفع حاجبيها والتحديق في ماريانا. أدركت ماريانا أن الأمور لا تسير بشكلٍ جيد وعليها أن تتوقف عن طرح المزيد من الأسئلة. على أية حال، سألت نفسها: لماذا أريد أن تعود والدتي ما دمت هنا مع لوسيا؟ ثم صححت لنفسها: لماذا أرغب بعودة أمي ما دمت هنا مع شقيقتي الكبرى؟أغمضت عينيها متأثرةً بشدة إزاء تلك الفكرة. الأخوات الكبيرات يعتنين بأخواتهنّ الصغار، قالتها كما لو أنها تلقي قصيدة. يالهُ من حظ أن يحظى المرء بأختٍ كبيرة. لوسيا بجناحين كبيرين للملاك الحارس تحوم لثانيةٍ فوق رأس ماريانا. وفي طرفة عين تستبدل تلك الصورة المجنحة بأخرى لطالما راودتها عندما تغادر الأم وتتركهما لوحدهما: لوسيا بعينين نافرتين خارج محجريها تصوب مسدساً نحوها. وبدون مسدس في بعض الأحيان، تنقضّ بأظافرها في محاولةٍ لاقتلاع عيون ماريا أو خنقها. والسبب نفسه دائماً: لقد جُنّت لوسيا.

من الحقائق المعروفة أن المجانين يقدمون على قتل العقلاء، مما يعني أن لوسيا لو أصابها الجنون أثناء مغادرة الأم فمن الواضح أنها سوف تقتل ماريانا. هكذا قررت ماريانا أن تتخلى عن نواياها الحسنة وتسأل مجدداً - للمرة الرابعة - " كم تبقى من الوقت حتى تعود أمي إلى البيت؟"
توقفت لوسيا عن القراءة وهي تتأفف ثم قالت: 
"ما أريد معرفته .. ( فكرت ماريانا بأنها لا بد أن تغيّر تلك الجملة إلى ما يجب أن تعرفه وليس ما تريد ) ما أريد معرفته لماذا باسم الرب تحتاجين إلى أن تكون أمنا حولكِ طوال الوقت؟"
- "لا" ( أجابت ماريانا وهي تفكر بأنها ستسألها لماذا أجابت كذلك، لطالما تمكنت لوسيا من تعقيد الأمور ) ولكن لوسيا لم تقل شيئاً فواصلت ماريانا حديثها: " إنه الفضول، هذا كل ما في الأمر ".
- " في الثانية عشر ".
- " ما الذي تقصدينه بذلك؟" صرخت ماريانا: "ولكنها " التاسعة إلا عشر دقائق الآن."
- "أعني الثانية عشر، ستة وستة أخرى".
غابت لوسيا في نوبةٍ من الضحك، ضحكت بقوة حتى خشيت لوهلة أن تموت من فرط الضحك. وبصراحة، لطالما آمنت بأن لا أحد على الأرض يمكنه أن يكون بمرحها، فلوسيا أكثر الناس مرحاً ولطفاً في العالم ولن تُجنّ أبداً. لماذا يصاب بالجنون من بهذه الروعة؟ ثم قالت بإعجاب: " لو، دعينا نلعب، فلنلعب أي شيء".
- " ولكني أقرأ."
- "ماذا تقرأين؟"
- " Mediocre Man ".
- "آه" ( أراهن الآن أنها ستسألني ما معنى العنوان ثم ستسألني لماذا قلتِ " آه " أيتها البلهاء؟ ) " لو، لا أستطيع أن أتذكر ما المقصود ب Mediocre Man"
- " Mediocre Man هو الرجل الذي لا مُثل له في الحياة."
- "آه،" أراح الجواب ذهنها لأنها بالتأكيد تمتلك بعض المُثل في هذه الحياة. تتخيل نفسها على الدوام وقد كبرت، وانقضت كل مشاكلها وبات الجميع يفهمها وسارت الأمور بشكل جيد وأصبح العالم رائعاً. هذا ما يعنيه امتلاك مُثلٍ في الحياة. ثم قالت: " لو، نحن، أعني أنا وأنتِ لسنا Mediocre أليس كذلك؟"
- " أنتِ حشرة، لستِ أكثر من ذلك. قالت لوسيا."
- " لماذا تبدين بغيضة مع الجميع؟"
- " اسمعي يا ماريانا، هل تسمحين أن أقرأ بسلام؟"
- " أنتِ بغيضة مع الجميع، وهذا أمر مريع يا لوسيا. تتشاجرين مع أمي وأبي ومع الجميع. تنهدت بشدة ثم قالت للوسيا أنها لا تمنح والديها سوى المشاكل."
- " حسناً يا ماريانا أتمنى أن تموتي."
- " أنتِ فظيعةٌ يا لوسيا، فظيعة. لا يجب أن تتلفظي بذلك لأي أحد حتى أسوأ أعدائك وقطعاً ليس لأختك."
- " والآن ستشرعين في البكاء ومن ثم ستصرخين بعد ذلك مدعية بأني أقوم بتعذيبك."
- " بعد ذلك؟ متى؟ هل تعلمين بالضبط متى ستعود أمي؟"
- "قريباً." عادت لوسيا لكتابها. ثم قالت كما لو أنها تفكر في شيءٍ هام بأنها ستعود في وقتٍ لاحق."
- " لاحق؟ قلتِ أنها ستعود قريباً." 
- هزت لوسيا رأسها باستسلام وعادت لكتابها ثم قالت نعم ستعود قريباً.
- " لا، نعم طبعاً، لا. هل ستعود قريباً أم في وقتٍ لاحق؟"
- حدقت بها وبدا أنها تذكرت شيئاً ما فابتسمت لوهلة." ماذا يهمكِ على أية حال؟". ثم هزت بلا مبالاة كتفيها.
- " ما الذي تعنينه بماذا يهمني؟ أنتِ لا تدركين ما قلتِ أليس كذلك؟ إذا عادت بعد قليل إلى البيت فإنها ستعود مبكراً، صح؟"
- " نعم إذا عادت إلى البيت."
- "ماذا؟"
- " نعم إذا عادت إلى البيت، هلّا تركتِني أقرأ من فضلك؟"
- " أيتها البقرة، أنتِ حقاً بقرة. ما تريدينه فعلاً ألا تعود أمي إلى البيت مرةً أخرى". 
- طوت لوسيا كتابها وألقته على السرير ثم تنهدت وشرحت لها بأن الأمر لا يتعلق بما تريد أو لا تريد. ما أرادت قوله ببساطة أنه لا فارق إن كانت الأم هنا أو هناك.
- " هناك؟ ما الذي تقصدينه؟"
- " هناك في أي مكان، لا فارق أبداً".
- " لماذا؟"
- أراحت لوسيا ذقنها على يديها وتطلعت بأسى نحو ماريانا. " اسمعي يا ماريانا، هناك ما أريد أن أخبركِ به. الماما غير موجودة".
- قفزت ماريانا وقالت " لا تكوني غبية" بينما تتصنع الهدوء " تعرفين أن أمي لا يروق لها أن تقولي مثل هذه السخافات". 
- " ليست سخافات. من يهتم بما ستقوله الماما على أية حال إذا كانت غير موجودة".
- "لو، أقولها للمرة الأخيرة. لا أحب أن ترددي تلك السخافات".
- " انظري ماريانا ( بنبرةٍ مرهقة ) أنا لا أختلق ذلك. هناك نظرية كاملة حول هذا الموضوع في إحدى الكتب".
- " وما الذي يقوله ذلك الكتاب؟"
- " ما قلته للتو. لا شيء موجود في الحقيقة كما أننا نتخيل هذا العالم".
- " ما الذي نتخيله في هذا العالم؟".
- " كل شيء".
- " تريدين أن أشعر بالذعر يا لوسيا. لا تقول الكتب شيئاً كهذا، ما الذي تقوله حقاً؟"
- " لقد أخبرتكِ ألف مرة. انظري إلى الطاولة؟ لا توجد في الحقيقة طاولة هناك. أنتِ فقط تتخيلين الطاولة. هل فهمتِ؟ الآن، في هذه الدقيقة تتخيلين أنكِ تجلسين على السرير في هذه الغرفة، وبأنكِ تتحدثين معي وتتخيلين بأن الماما في مكانٍ ما بعيد، وبأنكِ ترغبين بعودتها لكن كل هذه الأماكن غير موجودة في الحقيقة. لا شيء هنا أو هناك. فقط في رأسك، أنتِ تتخيلين كل هذا".
- " وأنتِ؟"
- " ماذا بشأني؟"
- " أنتِ هنا " قالتها بمرحٍ مفاجئ. " ألا تستطيعين تخيل الطاولة في المكان نفسه؟"
- " حبيبتي ماريانا يبدو أنكِ أسأتِ الفهم تماماً كالعادة. الأمر لا يتعلق بتخيلنا لمكان الطاولة نفسه بقدر ما يتعلق بكونكِ تتخيلين أن كلانا يتخيلها في ذلك المكان".
- " لا لا لا لا أنتِ من أخطأ الفهم بشكلٍ كلي. كلانا لا يتخيل الأشياء من تلقاء نفسه، ولا يمكن لأحدنا أن يخمن ما يتخيله الآخر. عندما تحدثيني بما تتخيلين أخبرك بعدد الصور في الغرفة وأقول لنفسي توجد ثلاث صور في هذه الغرفة في الوقت الذي تقولين بأنها ثلاث صور أيضاً. هذا يعني بأن الصور الثلاث موجودة هنا، نستطيع رؤيتها لأننا لا نتخيلها إذ من غير الممكن أن يتخيل اثنان الأشياء نفسها في الوقت نفسه".
- " فعلاً لا يمكن أن يتخيلها اثنان".
- " ماذا تقصدين؟"
- " أقول أنه من غير الممكن أن يتخيل اثنان".
- " لا أفهم ما تقولين ".
- " أقول أنكِ تتخيليني أنا أيضاً يا ماريانا".
- " تكذبين، أنتِ تكذبين. أنتِ أكبر كذابة في هذا العالم! أكرهكِ لوسيا. ألا ترين؟ لو كنت أتخيلكِ، كيف كنتِ ستعلمين؟"
- " لا أعرف أي شيء. أنتِ من قام باختلاقي. أنتِ من قام باختلاق شخصٍ   يدعى لوسيا وجعلتِها أختك. من يدري أنها من ابتكارك؟ هذا كل ما في الأمر".
- " لا، هيا " لو" قولي أن ذلك غير صحيح. ماذا بشأن ذلك الكتاب؟"
- " أي كتاب؟"
- " ذلك الكتاب الذي يتحدث عن كل هذا".
- " عن ماذا؟"
- " عن كل تلك الأشياء التي لا وجود لها".
- " أوه، ذلك الكتاب من تخيلاتك أيضاً."
- " كذب، كذب يا لوسيا! لا أستطيع تخيل كتاب مثل هذا. لا أعرف أشياء من هذا القبيل. ألا تفهمين يا لو؟ أنا لا أستطيع تخيل أمرٍ بهذا التعقيد".
- " ولكن يا مسكينتي ماريا، ذلك الكتاب لا يمكن اعتباره شيئاً مقارنةً بالأشياء الأخرى التي من صنع خيالك. فكري بالتاريخ وبقانون الجاذبية وبالرياضيات وبكل كتب العالم وبالاسبرين وبالتلغراف وبالطائرات. هل تدركين ما الذي قمتِ بفعله؟"
- " لا لوسيا، لا أرجوكِ. الجميع يعرف تلك الأشياء. ماذا لو أحضرت الكثير من الناس لهذه الغرفة وأوصيتهم بأن يشيروا إلى الراديو في الوقت نفسه بمجرد أن أعدّ إلى الثلاثة وسترين بأننا نشير إلى الاتجاه نفسه. دعينا نلعب يا لو أرجوك، هيا دعينا نلعب بالإشارة على الأشياء أرجوك".
- " ولكن هل أنتِ غبية أم ماذا؟ أقول بأنكِ من يتخيل الناس في العالم".
- " لا أصدقك، تودين أن أشعر بالفزع. لا أستطيع أن أتخيل كل هؤلاء الناس في العالم. ماذا عن أمي؟ ماذا عن أبي؟"
- " تتخيلينهم أيضاً".
- " هل أعيش إذن وحدي يا لو؟".
- " حتماً، أنتِ بمفردك".
- " هذا كذِب، كذِب! قولي أنكِ تكذبين وأنك تريدين أن أخاف، أليس كذلك؟ قطعاً لأن كل شيءٍ موجود. السرير والطاولة والكراسي. أستطيع رؤيتها ولمسها إن شئت. قولي نعم يا لو، وأن كل شيءٍ كما هو في السابق."
- " ولكن لماذا تريدين أن أقول نعم إذا كنتِ في كل الأحوال ستجعليني أقولها في خيالك".
- " وحدي دائماً؟ لا أحد هنا إذن غيري في هذا العالم؟"
- " بالضبط."
- " وأنتِ؟"
- " كما قلت سابقاً، أنت تتخيلينني".
- " لا أريد أن أتخيل أبداً يا لو. أنا خائفة، أنا مرعوبة جداً. لو، كم تبقى على عودة أمي؟"

مالت ماريانا خارج النافذة وأخذت تتوسل. ماما عودي إلى البيت حالاً. ولكنها لم تعد تعرف إلى من تتوسل في الحقيقة أو لماذا. أغمضت عينيها واختفى العالم وعندما فتحتهما عاد إلى الظهور مجدداً. كل شيء، كل شيء، كل شيء. إذا لم تعد قادرة ً على التفكير بأمها فلن تكون لها أمٌ أبداً. وإذا توقفت عن التفكير بالسماء فلن تعود السماء .. والكلاب والسحاب والرب. الكثير من الأشياء التي تفكر بها دفعةً واحدة، وبمفردها. ولماذا هي وحيدة؟ لماذا تكون الوحيدة في هذا الكون؟ عندما تفكر بذلك يبدو الأمر شاقاً. يبدو أنها نسيت الشمس فجأة أو بيتها أو لوسيا. ولعل الأسوأ أنها قد تتذكر لوسيا، ولكنها تتذكر لوسيا المجنونة، تلك التي تحمل في يدها مسدساً لكي تقتلها. وها قد أدركت أخيراً كم يبدو الوضع خطيراً. لأنها إذا لم تتوقف عن التفكير بها بهذه الطريقة فقد تغدو لوسيا مجنونة في الحقيقة وتبادر إلى قتلها. ولن يتبقى أحد لكي يتخيل كل تلك الأشياء. سوف تختفي الأشجار والطاولة والعواصف الرعدية. سيختفي اللون الأحمر وكل بلدان العالم والسماء الزرقاء والسوداء والعصافير والأسود في أفريقيا والأرض نفسها والأغاني ولن يعرف أحدهم كل هذا. فقد كانت هناك فتاة تدعى ماريانا اخترعت مكاناً في منتهى التعقيد وأطلقت عليه اسم الكون."

الخميس، 11 فبراير 2016

قصائد قصيرة - كارلوس دي أندرادي







-1-


تعاني النباتات أيضاً
لم لا؟
إذا كانت المعاناة
جوهر وحدة العالم

تعاني الزهرة 
عندما تلمسها
يدٌ غافلة
ويشتكي بلا صوت
لينها الناعم

والحجر المشلول
يعاني في الداخل

ونحن 
- الحيوانات في الأصل -
لا يجب حتى أن ندّعي 
حق المعاناة حصرياً

-2- 

قبّلتُ يد الكاهن
يد الرب
يد الجنة
قبّلتُ يد الخوف
من الذهاب إلى الجحيم
يد الغفران
لآثام الماضي والمستقبل
يد الخلاص
وعندما أرى الكاهن يمشي في الشارع
أرى قدري يمشي بجانبه
مظلماً
مشؤوماً
بشكلٍ نهائي
لو لم أقبّل يد الكاهن


الاثنين، 1 فبراير 2016

رحلة إلى البنكرياس ـ خوان خوسيه مياس





لطالما تلقيت من الطوائف الدينية التي باتت تتكاثر مثل المشروم، دعواتٍ لحضور اجتماعاتها بعد أن تداعت منزلة الأديان وسلطتها. لم أتمكن من تخمين الطريقة التي كانوا يتوصلون بها إلى عنواني البريدي، حتى ذاعت فضيحة بيع القوائم البريدية. وبدافعٍ من الفضول قررت الذهاب إلى إحدى هذه اللقاءات. وصلت متأخراً، فجلست برصانةٍ في المؤخرة، واستمعت إلى الواعظ الذي كان ينتقد بقسوة أولئك الذين يهدرون أموالهم في السفر إلى البلدان الأجنبية، بينما لا يعرفون شيئاً عن البنكرياس والقلب والأمعاء. كان يتسائل وهو يغلي : " لماذا أرغب في السفر إلى أفريقيا إذا كنتُ لم أقم بزيارة كبدي ولو لمرةٍ واحدة ". 

وبالنظر إلى وجوه المستمعين وتعابيرهم، فقد كان يجادل بطريقةٍ عقلانية ومؤثرة. ثم سألت نفسي ما الذي يضمن أن يتفوق منظر الغروب في أفريقيا على جمال مغصٍ في القولون؟ تخيلت لوهلة أني نفذت إلى المرارة وهي تفرز العصارة الصفراوية وقد بدا المنظر أكثر إبداعاً من شلالات نياغارا. ولكن يبقى السؤال كيف نحجز رحلةً إلى البنكرياس حيث لا حاجة إلى التذاكر أو جواز السفر.  

أجاب الواعظ على الفور، وطلب منّا أن نسترخي، ونتنفس بعمق، ثم نتخيل أنفسنا ونحن نغادر أجسادنا لوهلة ثم نعود إليها عبر الفم أو فتحات الأنف. كنت أفضّل الدخول من فتحات الأنف، وذلك لأن الفم يبدو بالنسبة لي مألوفاً، ولكن نزلة البرد التي ألمّت بي مؤخراً جعلتني أكابد في طريقي التهابات الأغشية. لم أجد صعوبات أخرى في الوصول إلى الجنجرة، فانحدرت بحذرٍ عبر القصبة الهوائية ممسكاً بحواف حلقاتها الغضروفية كما لو كانت درجات سلّم. كانت الظلمة أسفل الأنبوب العضوي تعيق حركتي فاستعنتُ بمصباحٍ خيالي أخرجتهُ من جيبي عملاً بنصيحة المتحدث، وشاهدت اسطوانتين اتضح أنهما تنتهيان عند الشعب الهوائية. فسلكتُ القصبة اليمنى التي كانت مصابةً بالتهابٍ مزمن وسقطتُ بداخل الرئة. كان المكان مليئاً بالتجاويف والأغشية حيث تيارات الهواء القوية. عُدتُ عبر الطريق نفسه خشيةً من تفاقم الانفلونزا. وعندما صعدت القصبة الهوائية بمساعدة الحلقات الغضروفية فقدت مصباحي. لم يُحدِث سقوطه في أعماقي أي صوتٍ يرشدني إلى تحديد موقعه. 

نزلتُ في الظلمة أتلمسُ السطح كالأعمى فلم أعثر على المصباح. وفي هذه الأثناء قام أحد الفايروسات بعضّ يدي اليمنى، وحاول آخرٌ أن يجذبني إلى مكانٍ تُسمع فيه ضرباتٌ عنيفة، يبدو أنهم يقومون بأمرٍ ما. سرعان ما اكتشفت بأني أقف بالقرب من حجاب الصدر وبأن القلب يستقر في تلك الفجوة. لم أعثر على المصباح ونال مني اليأس فتخليتُ عنه وعدت أدراجي أتسلق كالأعمى وبعد آلاف المحاولات المضنية صرت في الفم. فتحتُ عيناي وعُدتُ إلى الواقع. كان قلبي ينبض بشدة على الرغم من برودة الغرفة. كنت مبللاً بالعرق، لقد كانت مغامرةً أكبر بكثير من السفر عبر غابات الأمازون.

وعندما رجعتُ إلى حالتي الطبيعية، نظرتُ حولي فوجدت بقية المستمعين - بعيونٍ مغمضة - لا يزالون في استرخاءٍ تام. كانوا يواصلون بهدوء رحلتهم إلى البنكرياس. الرب وحده يعلم أيّ تجاربٍ كانت في انتظارهم. كان المتحدث - الذي توقفت عن الإنصات إليه عندما كنت أتمسك بالحلقة الغضروفية الخامسة للقصبة الهوائية، ربما لحداثة التجربة - لا يزال يواصل حديثه بنبرةٍ موزونةٍ ومقنعة. كان كل شيء بالنسبة له يمكن تخيّله. مَن تعلّم أن يتخيل باطن جسده بتلك الآليات التي سبق شرحها في لقاءاتٍ أخرى بمقدوره رؤية تشكلات الشجر، والشلالات الخضراء، وحُفر القمر، والنجوم، والمذنبات، والكواكب، لأن الجسد في الأساس هو خلاصة الكون. كان يوصينا بالتجول ببطء حتى يتسنى لنا الاستمتاع بمشاهدة الإفرازات، والأعضاء الحيوية، والسوائل، كما يوصينا بضرورة التوقف في لبّ الأعضاء التي تشتكي من المرض وذلك لمعالجتها بتقنيات التخيّل. عندما تصاب بقرحةٍ في المعدة مثلاً، عليك أن تتخيلها سليمةً تماماً، ومن ثم تتصور بأن القرحة تقدم العون للمعدة. بطبيعة الحال لا يمكنك تحقيق ذلك في جلسةٍ واحدة أو حتى جلستين، بل عليك المواظبة على التمارين حتى تغدو النتائج أفضل من تلك التي يمكن الحصول عليها بواسطة التدخل الجراحي وبتكلفةٍ أقل.

وبعد فترة بدأ المسافرون في العودة، وأخذوا يتحدثون عن عجائب البنكرياس، وعن شلالات العصائر التي تتدفق إلى المعدة لتساهم في عملية الهضم. في النهاية لم يلفت نظرهم الكبد ربما بسبب شكله الشاذ، وإلا فالجميع يتفق على اسثنائية وروعة جداول العصارات الصفراء التي تغطي الكبد. لاحظنا في تلك اللحظة أن أحد المستمعين كان مستلقياً. توجه إليه المتحدث وقام بفحصه ثم أعلن بأن ذلك الرجل قد تاه في منطقةٍ ما من أمعاءهِ الغليظة ولم يستطع الخروج. داهمنا القلق جميعاً، وغادرت عندما كان المتحدث يقول بأنه يحاول مساعدة الرجل للخروج عبر المستقيم.

في الأيام الماضية، شعرت بألمٍ فظيع في الرئة اليمنى كما لو أن جسماً غريباً يأوي هناك. وقد أصبت بالهلع عندما فكرت بأنه من المحتمل أن يكون ذلك المصباح، ولم أفكر بالرجوع هناك لاسترداده، أخشى أن أضيع مثل ذلك الرجل وأبقى محاصراً للأبد في هذا المكان المليء بالثقوب وتيارات الهواء.