الجمعة، 26 أغسطس 2016

ثلاث قصص قصيرة جداً - انريكي اندرسون امبرت




  السجين

عندما أُلقيَ لويس أوغوستو بيانكي في الزنزانة، استغرق بضعة أيام حتى اكتشف أن بمقدوره التحلل إلى هواء والهرب مثل نسمةٍ بين القضبان ثم استعادة جسده في الجانب الآخر، والتسكع في الطرقات مزاولاً حياته كالعادة. كان ثمة عائق وحيد يتمثل في الحراس الذين يقومون بتفتيش الزنزانة. كان على بيانكي أن يترك كل شيء ويعود في طرفة عين محافظاً على صورة السجين. تلك مسألة ضمير! فلو تغافل السجانون لأصبح بيانكي حراً في الحقيقة. كان قد أعد جدولاً زمنياً لجولات الحراس حتى يتمكن من التسكع في المدينة خلال الساعات الأكثر - أو حتى الأقل - أماناً بلا خوفٍ من المقاطعة. كان بوده لو قضى الليل بطوله في الخارج على الرغم من كونهم قد اعتادوا على القيام بجولات مفاجئة في السجن. فقد اضطر أكثر من مرة إلى التحلل من ذراعي امرأة ما إن يشعر بهم وهم يفتحون الزنزانة. لم يكن راضياً على الإطلاق. أخذ يتخلى شيئاً فشيئاً عن قدرته على التبخر وآثر في النهاية البقاء في السجن.



  غيرة 

صَحَتْ إيليسا وهي تتعذب من الغيرة، كانت تحلم أن زوجها يغازل امرأةً أخرى، وما عذبها مثل شوكةٍ لعينة أنه إذا تجاسر على فعل ذلك في حلمها فما الذي لم يجرؤ عليهِ عندما كان ذلك الحقير وحيداً في أحلامه.



  البواب

كان على غوستاف الدخول إلى القصر لأمرٍ طارئ، لولا أن البواب استوقفه وأمره بالانتظار. جلس غوستاف قبالة الحارس وانتظر. وفي غضون ذلك، دخل أناس وخرجوا، دخلوا وخرجوا، بينما يبتسمون ويلقون التحية على البواب. تساءل غوستاف على استحياء: " وأنا؟ "
- " ليس بعد. "
انتظر غوستاف لأسابيع ولشهور. وفي أحد الأيام، طلب منه البواب أن يقف لدقائق بدلاً منه، ثم عاد بعد قليل. وفي يومٍ آخر، كرر البواب طلبه ولكنه غاب هذه المرة ولم يعد أبداً. أخذ غوستاف ينتظره لأسابيع ولشهور. بدأ الناس الذين يدخلون ويخرجون في تحيته مبتسمين بألفةٍ متزايدة.
أدرك حينئذ غوستاف بأنه قد صار البواب، ولكن لم يكن متيقناً بعد ما إذا كان عليه السماح لنفسه بالدخول إلى القصر، حيث ما يزال بحاجةٍ إلى أن يعتني بذلك الأمر الطارئ.





الجمعة، 19 أغسطس 2016

Mansoura Ez Eldin : فن التخلي.. فن الكتابة

Mansoura Ez Eldin : فن التخلي.. فن الكتابة: منصورة عز الدين من المفترض بالأدب أن يدفع القارئ للنظر بعين جديدة، أن يزيح ستارة الاعتياد عن عينيه ويدفعه لاكتشاف المدهش والمثير ...

الاثنين، 15 أغسطس 2016

أرامل مارغريت سولافان





مارغريت سولافان هو أحد الأسماء الحقيقية التي يندر وجودها في قصصي المبكرة، ويعود ظهوره إلى سببٍ بسيط. جميعنا نتورط في فترة المراهقة بعلاقات حبٍ مع نجوم السينما، وعادةً ما يكون ذلك الحب صارماً وتأسيسياً. نجمة السينما ليست امرأة تماماً، فهي أقرب إلى الصورة. وفي ذلك العمر، يبدو الوقوع في غرام الصور - بدلاً من النسوة اللائي من لحمٍ ودم - أولى الخطوات الطبيعية. ويتكفل الواقع بتعليمنا لاحقاً أن نجمة السينما - التي من الممكن بالطبع مشاهدتها والاستماع إليها - ليست أكثر من بديلٍ تافه لامرأةٍ حقيقية بمقدورنا شمّها وتحسسها وتذوقها أيضاً.

وبالرغم من كون الممثلة هي أول من تخطف أنفاسك وتبقيك ساهراً طوال الليل إلا أنها تمنحك فرصةً كي تعلن عن مشاعرك وتجمع منها ما يكفي لمسودة حبٍ أولى، بمقدورك مراجعتها في السنين القادمة مع فتاةٍ أو سيدة قد لا تشبه أول امرأةٍ حلمت بها، لكن بوسعك الإحساس بملمس يديها، بوسعك أيضاً تقبيل شفتيها دون الحاجة إلى مراسمٍ أو طقوس، ولا يتوقف الأمر عند الإعجاب بعينيها فقط لأنهما سيبادلانك الإعجاب نفسه.

على أية حال، تظل العلاقات السينمائية على قدرٍ من الأهمية. الجلوس وجهاً لوجه مقابل الصورة، والابتسامة، والعينين، كل هذا المرح الصاخب يدعو الفتى إلى اختبار قوته والقيام بأول شقلبةٍ عاطفية. تلك العلاقات، في النهاية، تخلو من المخاطر فالصورة تكون عادةً بعيدة المنال، هناك في هوليوود أو في سينيسيتا.

لقد كانت مارغريت سولافان تعني لي كل ما سبق. لم أكن مراهقاً بطبيعة الحال عندما قمت بكتابة تلك القصص، وإن تزامنت مع أفلامها الأخيرة، التي كانت تعرض في مونتفيديو بين الحين والآخر. لم أفوّت بالطبع مشاهدة أي عرضٍ منها. كانت مسودتي الأولى، في ذلك الوقت، قد تعرضت لمراجعاتٍ ضخمة لذا يمكنني النظر عن بعدٍ إليها بموضوعية، وبشيء من النستالوجيا الدافئة وحس الامتنان، كما ينظر أحدنا إلى الوراء نحو المرأة التي أخذت بيده وجعلته يخطو في طريق الحب لأول مرة.

في يناير ١٩٦٠ كنت برفقة زوجتي في نيويورك. والتقينا في إحدى الأماسي بأربعة أصدقاء من الأوروغواي، عقدنا العزم على تناول الغداء مبكراً، ثم التوجه إلى المسرح لمشاهدة نسخة خوسيه كوينتيرو الشهيرة من مسرحية " بلدتنا " لثورنتون وايلدر، التي كانت تعرض منذ بضعة شهور ومع ذلك لم يكن من السهل الحصول على تذاكرها قبيل العرض. لذا حالما ارتدنا مطعماً ايطالياً صاخباً توجهت إلى المسرح على أمل العثور على ست مقاعد شاغرة.

كان بائع التذاكر هو أول المفاجآت، لم يبدُ عليه ذلك، لا يشبه بائع التذاكر على الإطلاق. ولو ألح أحدهم في سؤالي سيكون من الشاق أن أخبره كيف يفترض بالضبط أن يبدو بائع التذاكر. كان ذلك الرفيق شاباً نحيلاً له نظارة سميكة ذات إطار أسود. يبدو كما لو كان تلميذاً في كلية الآداب أو عازفاً لآلة الكلارنيت، وكان بهو المسرح فارغاً مما ضاعف من آمالي لولا أن السبب ببساطة يعود إلى أن تذاكر العرض قد بيعت بالكامل. وعندما سألته ما إذا كانت هناك فرصة ولو ضئيلة في الحصول على ست تذاكر - ست فقط - حدجني بتقزز وسخرية: " ست تذاكر، والآن؟ من أي كوكبٍ أنت؟ " لقد كان محقاً فلم أكن متأكداً إذا كنت في الكوكب الصحيح. شعرت كما لو أني قروي يضحك عليه الآخرون لخوفه من استعمال الهاتف العمومي أو السلالم المتحركة. لم أغادر على الفور، وقفت أتأمل لدقائق صور الطاقم، ربما كنت أتمنى في سرّي لو أن أحدهم يأتي ليسترجع ثمن تذاكره الست.

وفي ذلك الوقت تحديداً رن الهاتف، امتعض الشاب مجدداً لأن ذلك من شأنه أن يقطع قراءته لمجلة النيويوركر أو لعله كان متعباً من تكرار الرد بصوته الساخط: " لقد نفدت جميع التذاكر ". ثم تغيرت تعابيره فجأة، نزع نظارته وأخذ يدمدم وهو ينشج: " لا، لا مستحيل ". ثم أغلق الهاتف فجأة بطريقةٍ آليةٍ ويائسة. كان محطماً بالكامل بينما كنت الشاهد الوحيد على نظرته القانطة. توجهت نحوه، بصرف النظر عن فظاظته، ظاناً بأنه قد يكون مريضاً. ربتّ بخفةٍ على كتفه حتى يدرك بأني لا زلت هناك ثم سألته ما الخطب؟ هل تلقى أنباءً سيئة؟ هل يمكنني مساعدته في أي شيء؟ نظر إلي - من غير نظارة - كما لو كان ينظر من خلال نافذة مبللة بالمطر.

" ماتت مارغريت سولافان ." قالها ببطء، مشدداً على كل مقطع، مثل أعزلٍ يشعر بالفجيعة. ثم جاء دوري ولكن بطريقةٍ مختلفة ولغةٍ مختلفة. غمغمت: " لا، غير ممكن." لم يفهم الشاب لغتي الإسبانية ولكنه أدرك قطعاً كم كنت حزيناً ومصدوماً. اتكأت على الجدار، كنت بحاجةٍ إلى دعم أي شيءٍ صلب. تبادلنا النظرات، أنا وبائع التذاكر، بدا مذهولاً لأنه لم يتوقع لقاء أحد أرامل مارغريت هنا وفي متناول يده الشاحبة. وفي تلك اللحظة، أدركت بعض الشيء أن ذلك الوميض الباهت لمراهقتي البعيدة أخذ يخبو للمرة الأخيرة.

وفجأةً مسح بائع التذاكر دموعه وسألني بصوتٍ مشحون بالصدمة والعاطفة: " كم كان عدد التذاكر الذي تريدها؟ ست؟ " فتح الدرج الصغير وأخرج منه ست تذاكر ثم قدمها إليّ. دفعت الثمن دون أن أتفوه بكلمةٍ واحدة. كان البقشيش في ذلك الظرف أشبه بالإهانة. من المستحيل أن يحدث هذا بين أرامل الحلم ذاته. بل لقد صافح أحدنا الآخر بقوة كما لو كنا أقارب، نشعر بما قد يشعر به جيمي ستيوارت، الذي شارك مارغريت في العديد من الأفلام.

وفي طريقي عائداً إلى المطعم الإيطالي، مسحت عيناي أيضاً، ولكن بطريقتي الخاصة، ليس براحة اليد وإنما بأصابعي. حقاً لا أدري لماذا بدا بائع التذاكر النزق وحسير النظر مصعوقاً ومدمَراً. أما بالنسبة لي فأنا أعرف السبب بالتأكيد، لقد كانت تلك المرة الأولى التي أفقد فيها إحدى حبيباتي.

* ترجمة بتصرف.