الاثنين، 24 يوليو 2017

تعليمات الفقد - عبدالله ناصر




١- لم يرحل بعد طالما هو يرقد في العناية المركزة. لا تعلن الحداد قبل أوانه. طبعاً لا يزال هناك أمل.

٢- إذا كنت محظوظاً سيحدث هذا في سنٍ مبكرة أو متأخرة. في الأولى لن تفلح في إدراك ما حدث وما سيحدث، وفي الثانية سيغدو كل شيءٍ متوقعاً على الأغلب.

٣- لن تدوم أيام العزاء الثلاثة طيلة حياتك ولكن قد تتغير حياتك إلى الأبد، وقد لا تتغير.

٤- لا تتحدث إلى صورة الراحل، قد تبدأ هي الأخرى في محادثتك.

٥- لا تنزع صورته من الجدار، لماذا تنزعها في الأساس؟ لن يعجّل هذا في النسيان كما لا يخلو من الوقاحة.

٦- لا تتعمد النسيان بهجره تماماً ولا تتعمد الذكرى بزيارته الدائمة فهما - النسيان والذكرى - وأنت كذلك بحاجةٍ إلى بعض الوقت

٧- إذا كنت تحتفظ بتسجيلٍ صوتي أو مرئي فسارع إلى التخلص منه. هذا ما يحتاجه اللاوعي حتى يصدّق أن الراحل يمكن أن يعود.

٨- لا تتقمص شخصية الراحل، أو نبرته أو طريقته في الضحك أو الجلوس. قد تتحول إلى شبح ولا تعيش الأشباح كما هو معلوم إلا في الليل والخرائب.

٩- لم يكن وهماً ما حدث، توقف أرجوك عن الأمل، ولن يكون أكثر حقيقة مما كان، توقف أرجوك عن اليأس


١٠- ستلتقيان مرةً أخرى، هل فكرت بما سوف تقوله آنذاك؟

الأحد، 16 يوليو 2017

تحول - عبدالله ناصر



أيقظ زوجته في الثالثة صباحاً وصارحها قائلاً إنه يرغب في تغيير جنسه. قالت دون أن تفتح عينيها إنها هي أيضاً ترغب في تغيير جنسها، ولكن ليس الآن، ربما غداً أو بعده. دسّت رأسها بين وسادتين وعادت إلى النوم، متى كانت تنام بهذه الطريقة؟ تذكر أنها هي من باتت تعتليه مؤخراً، لم يعترض آنذاك، بل لقد استحسن الفكرة، المنظر يبدو بديعاً من الأسفل كالوقوف تحت جبلٍ أو معبد. ولكن هل تفكر حقاً في التحول؟ لا. لا بد أنها تسخر كعادتها. لعل هذا بالتحديد ما أوقعه في غرامها. حسها الساخر من كل شيء، كانت تسخر حتى من نفسها، وإن لم يغفر لها أبداً سخريتها منه. تخيّلَ تجويفاً صغيراً مكان شيئه فتعوذ من الفكرة، وراحت يده لا إرادياً تفتش هناك، فوجده لحسن الحظ مربوطاً بشكلٍ جيد. لو أنها فقط لم تنم لأخبرها أن الأمر ليس كما تتصور لأنه يود في الحقيقة أن يتحول إلى ثعلب، لطالما راودته تلك الأمنية. وفي كل حلم، بل حتى في الكوابيس، كان يرى نفسه ثعلباً يلهو في البرية وفي لحظات الصحو الأولى يكاد يلمس فروه الناعم. ثعلب أحمر لا رمادي، الرمادي قاطع طريق، وقطاع الطرق كما هو معلوم ينتهي بهم الأمر إما بطلقةٍ في الظهر كما حدث لجيسي جيمس أو ب ١٦٧ رصاصة كما حدث لبوني وكلايد. أعدّ القهوة في الصباح وأتى بها إلى زوجته لأول مرة، صادف أنه كان يجرب مريلة المطبخ، التمعت عيناها وحالما استدار صفعت مؤخرته وهي تضحك بلا توقف.

السبت، 8 يوليو 2017

جامي فو - عبدالله ناصر





انكمش اليوم حتى صار طوله ثلاث ساعات، ولما استيقظ السكّان أدركوا على الفور بأن اليوم بات قصيراً للغاية. يبدأ من الثانية عشرة صباحاً وينتهي في الثانية ليلاً وبينهما الواحدة ظهراً - منتصف اليوم - ما عادت ساعات اليد أو الحائط دائرية، صار لها شكل المخروط. لا أثر للسادسة صباحاً ولا الرابعة عصراً ولا الثامنة مساءً ولا.. اختفت كلها دفعةً واحدة  - ٢١ ساعة بالضبط - ولا أحد يدري كيف ولماذا. خرجوا جميعاً للبحث عن الساعات المفقودة ومن لم يخرج بقي لحراسة الساعات الثلاث. لم يجدوا شيئاً، زعم أحدهم أنه عثر على العاشرة ليلاً ملقاة بالقرب من الشاطئ مثل حوتٍ أبيض. لم يستطع حملها وحده ولم يصدقه أحدٌ بالطبع. متى كانت الساعة العاشرة حوتاً أبيض؟ صار اليوم ثلاث ساعات. ساعة للنوم - لا تكفي - ومثلها للعمل - تبدو أكثر من كافية - وساعة فقط لممارسة الحياة. بات عليهم أن يضاعفوا من سرعة كل شيء، المشي، الأكل، الكلام والصمت أيضاً، الجنس ... ومع ذلك لم يستطيعوا التأقلم. يصاب أحدهم بالإمساك فيفوته نصف اليوم أو يستغرق في النوم فيفوته نصف الأسبوع. كان على الآباء أن يضحّوا أسوةً بالأمهات وينفقوا على أبنائهم بعضاً من ساعاتهم الشخصية. أما الأيتام فعاشوا على المساعدات الشحيحة لفاعلي الخير. اجتاح العوز والفاقة أرجاء المدينة فكثُر اللصوصُ والمتسولون حتى غدا من المألوف أن ترى أحدهم يركض سارقاً خمس دقائق من امرأةٍ عجوز أو ثلث ساعةٍ من شيخٍ كفيف. ما حاجة كبار السنّ إلى الوقت؟ ما حاجة الأطفال أيضاً إذا كانوا سينسون كل شيء حالما يكبرون قليلاً؟ وبعد سنةٍ أو أقل تقلصت الساعات الثلاث إلى ساعة واحدة. مات نصفهم بالسكتة وراح ثلثهم في الجلطة ونجا التعساء. كيف يمكن العيش في يومٍ لا يتجاوز ساعةً واحدة. ترحموا على الساعات الثلاث، كم كانت كافية وطويلة، بل ومضجرة في بعض الأحيان. تدافعت الأيام فاختلطت عليهم مثل رجال الكهف، وليس هناك كلبٌ ينبح فيبدد الفزع ولو قليلاً.