الجمعة، 30 سبتمبر 2016

هل أحلم الآن؟ - ميغيل كوريا موخيكا





أحلم الآن.
يبدو الآن كل شيءٍ بشعًا.
يبدو الآن كل شيءٍ أكثر بشاعةً ممَّا لو كنت صاحيًا؛ لأن الأمور في اليقظة لا تحدث بهذه السرعة الهائلة.
في هذا الحلم الذي أحلمه الآن، تحدث كل الأشياء دفعةً واحدةً وبلمح البصر، بينما تحدث في اليقظة على مراحل.
لهذا لا أطيق الانتظار حتَّى أصحو.
في هذا الحلم، يكسرون اثنين من أضلاعي. يؤلمني ذلك بالقدر نفْسه كما لو كنت مستيقظًا، ولكني أعرف بأنني أحلم، وبأن هذا الألم ليس إلا فانتازيا. عندما يكسرون أضلاعك في الحلم، سوف تتألم كما لو أنهم يكسرونها في الحقيقة. هذا ما يجعلني أتأخَّر كثيرًا في الذهاب إلى النوم؛ لأني أعرف ما الذي ينتظرني هناك. تحدث الأحلام هنا حتى قبل النوم. تهاجمنا أحيانًا في منتصف الطريق، في الظهيرة بينما نقف في طابور إلى منتزه لينين. حاولتُ تفادي هذا الحلم، حاولتُ الهرب منه، منفقًا الكثير مِن الوقت، وأنا في السرير، في التفكير بالأموال التي اقترضتُها. لم ينتظرني هذا الحلم حتَّى أغمض عينيَّ، لا يمكنه الانتظار كل هذا الوقت. بدأ الحلم في الحدوث ظانًّا بأني قد استغرقتُ في النوم. كنتُ مستيقظًا بلا نعاسٍ مثلما أنا الآن. صار الحلم فوقي بالفعل، وأخذ يكسر أضلاعي. فتحتُ عينيَّ حتَّى يراني مستيقظًا، ولكن في ذلك الوقت لم يعدْ مِن الممكن أن يتوقَّف. كان يكسر أضلاعي - هنا، هذان الضلعان -  ويحرق وجهي بالأسيد الذي عثر عليه في الحمَّام. آلمني ذلك جدًّا كما لو أني أحلم، لذا حاولتُ أن أنام، ونمتُ فعلًا. ولكن الألم بقي كما هو، لولا أنه صار الآن مُتخيَّل. هذا أجمل ما في النوم، على الرغم مِن أنك تتألَّم بالقدر نفْسه، تعرف بأنه ألمٌ مُتخيَّلٌ، وبأنَّ أضلاعك في الصباح ستكون في المكان نفْسه، لا كسور على الإطلاق. ولكني أحلم الآن وأُكابد ألمًا مُروِّعًا. آه، متى سأصحو مِن الحلم، وأتخلَّصُ مِن هذا الألم الذي لا يُطاق. ولكن إذا استيقظتُ، عليَّ الذهاب إلى الوحدة العسكرية، لديَّ موعدٌ في الغد، في الصباح الباكر. أُفضِّل البقاء في هذا الحلم حتَّى ولو عذبني. ولكن هذا الحلم ذكيٌّ حقًّا، أيقظني مِن النوم -في الحلم-، وها أنا الآن في الوحدة العسكرية. سجَّلوا أسماءَنا، وأخذونا إلى الشاحنات. نسيتُ فرشاة أسناني، ولكني صرتُ بالفعل في الشاحنة التي ستحملنا بعيدًا جدًّا. أين سيذهبون بنا؟ يا لفظاعة حلم اليوم. الأمر الجيد هو أني أعرف أنَّ هذا ليس أكثر مِن فانتازيا، وأني سأصحو في وقتٍ ما، وأتناول الإفطار الذي أعدته أمي. ولكن ليس بوسع المرء أن يصحو متى شاء، بل يصحو متى شاءت الأحلام. عندما أستيقظُ أخيراً في الغد، يجب أن أذهب إلى تلك الوحدة العسكرية. يا للأسى. ولكنني أحلم الآن على متن هذه الشاحنة. أتكون الخدمة العسكرية بهذا الشكل؟ وصلنا بعد أربعة عشر ساعة خانقة، لم نصلْ إلى أيِّ بيتٍ، لم نصلْ إلى أيِّ مدينةٍ: نقف قبالة حقل قصب السكر. أعطونا مناجلَ حادَّةً -يا له مِن حلمٍ مُروِّعٍ- يجب أن أجزّ ستمائة طن من قصب السكر. لا أستطيعُ؛ فالحرارةُ عاليةٌ في هذا الحقل، وفي هذا الحلم. هناك الكثير مِن العشب وقصب السكر. أريد أن أستيقظ، لم أعدْ أتحمل حلم اليوم. أيها الرب، أرجوك أيقظني. لقد انتقعتُ مِن العرق، ولم أقطعْ سوى القليل. ما عدت قادرًا على قطع المزيد. توقَّفتُ؛ لأستريح، وجاءني شرطيٌّ حيث أجلس، وأمرني بالوقوف. لن أقف، أخبرتُهُ بذلك. قال إذا لم أقف خلال نصف دقيقةٍ، ولم أقطع كل قصب السكر، سوف يعتقلني. هيا اعتقلني، قلتُ. وقد فعلها حقًّا، وها أنا الآن رهن الاعتقال. لا يسمحون لي بالخروج. على أيِّ حالٍ، ها هم يحملوني الآن لقطع قصب السكر. أقول لهم بأني لا أستطيع. وعندما يضربونني بالحربة، أحمل المنجل دونما وعيٍ، وأقطع عودًا صغيرًا مِن قصب السكر، يُعاودون ضربي هذه المرة بشكلٍ أقوى، أنزف الآن. الشمس، والأشواك، وهذا الدم يقطرُ على جسدي بالكامل. أودُّ أن أستيقظ يا ربي. أريد أن أصحو مِن هذا الحلم البغيض. ما زلتُ أقطع المزيد مِن قصب السكر؛ لأنني حتَّى الآن لم أتمكَّنْ مِن الاستيقاظ. جاء الشرطي مَرَّةً أُخرى، أستعجلُ مُتوتِّرًا، فأجرح أحد أصابعي. يقول الشرطي بأنني أتعمَّدُ ذلك، بينما أنفي ما يقول. يحكمون عليَّ بأعوامٍ أكثر. لا أعود قادرًا على تحمُّل المزيد. أحاولُ أن أصحو، أُقلِّبُ جسدي مِن جهةٍ إلى أُخرى؛ لعلِّي أسقطُ مِن السرير، وأصحو. يظنُّ الناس في هذا الحلم أنني مجنونٌ. يُشاهدونني وأنا أُسقِطُ نفْسي على العشب أثناء محاولاتي للصحو. يشدُّني الشرطيُّ إلى وضع الوقوف، فأشرح له أني نائمٌ فقط، وأرجوه أن يتركني وحدي. لديَّ موعد صباح الغد في الوحدة العسكرية. يحملني إلى زنزانتي. يمضي الوقت، وتمرُّ الأيام بذلك البطء المعتاد في أيام السجن. الليالي بطيئةٌ أيضًا. سأبقى في هذه الزنزانة حتَّى ينتهي هذا الحلم. أذهبُ إلى النوم، أستلقي على المرقد، وسأحلمُ بحلمٍ قذرٍ داخل هذا الحلم القذر. ها قد علق بي حتَّى قبل أن أنام. في الحلم يكسرون اثنين مِن أضلاعي، أتقلبُ على السرير، أطردُ الحلم بعيدًا، ولكن لا أعود مُتأكِّدًا ما إذا كان الأمر مجرد فنتازيا، أو شيئاً آخر.

الاثنين، 5 سبتمبر 2016

أصوات في رأسي - جاك هاندي




لا أعرف أبداً متى ستبدأ في محادثتي تلك الأصوات التي في رأسي . قد أخرج من شقتي وأتطلع إلى الغيوم، فتخبرني الأصوات فجأة بأنها قد تمطر وبأنه لا بد من العودة لإحضار المظلة. أطيعها في بعض الأحيان وأذهب للإتيان بمظلتي، وفي أحيانٍ أخرى أستجمع قواي وأرفض الامتثال لها. ولكنها لا تدعني أنسى هذا العصيان، خصوصاً عندما تمطر. تبادر إلى القول: " لقد كنت على علمٍ بذلك، كان عليك أن تجلب المظلة. لماذا لم تحضرها؟"

لا أتوقع منك أن تفهم كيف تبدو تلك الأصوات التي في رأسي وهي تشير إلى ما يجب فعله. ولكن الأمر أشبه بكابوس أعيشه طوال الوقت. الآن على سبيل المثال، تقول الأصوات بأن عليّ تغيير كلمة " كابوس" إلى " جحيم ".

بمجرد أن أصحو تعذبني الأصوات. تقول: " انهض واذهب إلى الحمام لكي تتبول ". وهكذا طوال اليوم لا تتركني: " جد شيئاً لتأكله "، " خذ قيلولة "، " اذهب إلى الحمام مرةً أخرى "، " تجهز للنوم " ولا تتوقف أبداً حتى أثناء النوم، تدعوني إلى الاستيقاظ والتبول. أخشى ما أخشاه أن تدعوني تلك الأصوات إلى القيام بعملٍ جنوني مثل البحث عن وظيفة. 

ظننت بأن معاقرة الكحول ستهدئ تلك الأصوات ولكنها بالعادة تجعلها أسوأ. تقول " اذهب إلى ذلك الرجل وأخبره بانطباعك الحقيقي حوله " أو " اصعد فوق تلك الطاولة وقم بالرقصة الظريفة للكاوبوي."

اعتادت تلك الأصوات أن تحدثني عن البيتلز. في صغري، كانت تشير علي أن أشتري ألبوماً محدداً. أجيبها بأنني لا أملك أي نقود فتقترح علي أن أجز العشب لأكسب قليلاً من المال. " ولكنه عملٌ شاق ". " حسناً "، تقول الأصوات، " هل ترغب في اقتناء ذلك الألبوم أم لا؟" ( انتظر، ربما كان ذلك صوت أبي).

أمر أحياناً بأوقاتٍ طويلة نسبياً دون أن تخاطبني الأصوات، عند مشاهدة التلفاز أو النمل. أو عندما أستلقي على الأرض محاولاً النفخ على كرات النسيج لدفعها في سربٍ كبير، أو أثناء محاولتي التعرف على أكثر قططي خوفاً من الوسادة. ولكن سرعان ما تتلاشى هذه اللحظات الذهبية وتعود الأصوات.

ليت الأصوات تحدثني بما يعود علي بالنفع ولو مرةً واحدة. كيف أنطق بعض الأشياء بالفرنسية مثلاً أو أين اختفى قفازي. ولكنها لا تقول ذلك أبداً. لطالما سخرت مني أكثر من مرة في الواقع، تقول انعطف يساراً ويتبين لاحقاً أنه كان من الواجب التوجه إلى اليمين أو تشير علي بارتداء ربطة عنقٍ سخيفة. 

والأسوأ من ذلك أن الأصوات نفسها لا تعرف ما الذي تريده. تحدثني قائلةً: " قم وتحدث مع امرأةٍ جميلة " ثم تقول " لا، انتظر، تبدو جميلةً أكثر من اللازم بالنسبة لك "، " هيا اذهب فوراً "، " ماذا لو علمت زوجتك؟ " ( فلتحسم أمرك يا رجل ).

عندما تخبر أحداً بتلك الأصوات، يظن الناس بأنك مجنون، لذا لا تتفوه بكلمة، تجلس محدقاً بهم فيعتريهم الشك أيضاً بأنك مجنون. لن تسلم في كل الأحوال. 

خطر في ذهني التخلص من الأصوات باللجوء إلى طبيبٍ نفسي. ولكن الأصوات أكدت بأن العلاج سيكون مكلفاً وربما يستغرق وقتاً طويلاً على الأرجح. أن ألبس بنطالي وأتوجه إلى المترو ثم أعود عبره سالكاً الطريق نفسه لأخلع البنطال. من يدري؟ لعل الأمور تسير على ما يرام. أحياناً تكون الأصوات على حق.

وفي يومٍ من الأيام قررت ألا أتحملها أكثر. أن أخرس تلك الأصوات إلى الأبد. لم أتوصل إلى الطريقة، لذا أخفقت بطبيعة الحال. 

ربما كان الحل في التعايش معها والكف عن محاولة التخلص منها. ( في الحقيقة، لا أظن ذلك. أقولها هكذا فقط للأصوات )

هل بوسعي السيطرة الكاملة على الأصوات التي في رأسي؟ لا على الأرجح. هل يمكنني على الأقل تعديل نمط حياتي حتى لا تشكّل هذه الأصوات تهديداً عليّ أو على الآخرين؟ الجواب لا أيضاً.

ولكن لم أستسلم بعد. هناك شيء واحد تعلمته: قد تبدو هذه الأصوات متسلطة ولكنها في حقيقة الأمر ساذجة جداً.