الجمعة، 5 مايو 2017

الغريبان - عبدالله ناصر




3

لم يكن ذلك الخصام الأخير يشبه خصامهما التافه وشبه اليومي، الذي ينتهي حالما يقف أحدهما قبالة الصور المعلقة على الحائط. تتدخل الذكريات الحلوة بالعادة أو يهمّ الرجل بالخروج متجهماً وينسى أن يزرر قميصه فتقطع امرأته الصمت بنبرةٍ ساخطة وتلفت انتباهه فيدّعي أنه يعرف ذلك ويصفع الباب. تقول في سرّها: " أحمق " ويخمّن أنها تقول تلك الكلمة تحديداً، ولا يجد بداّ من موافقتها فهو أحمقٌ بالفعل، يزرر قميصه ويضحك وحين يعود إلى البيت يجد الخصام قد انتقل إلى بيتٍ آخر. لقد افترقا هذه المرة، وأدار كل منهما ظهره للآخر مرةً أخيرة وإلى الأبد. غرس كل منهما مديته في خاصرة الآخر بكراهيةٍ تفوق محبتهما القديمة، وأخذا يتلذذان بتحطيم بعضهما البعض حتى تهشما تماماً ولم يبق غير الركام. افترقا بأقدامٍ حافية لا تخاف المشي على شظايا الآخر ولو كانت من زجاج. كان فراقاً أبدياً أو هكذا بدا لهما وللآخرين، ولكنهما عادا إلى بعضهما البعض كما يعود أحدهم متوسلاً رب عمله كي يعيده إلى وظيفته التي ركلها بقدميه. قال البعض إن عودتهما تشبه عودة الطلقاء إلى السجن، وقال البعض الآخر إنهما عاجزان عن السعادة المنفردة أو حتى المشتركة. لقد كانا بحاجةٍ ماسة إلى مثل هذا اليقين، إلى كل هذه البغضاء. كانا بحاجةٍ إلى تحسس تلك السعادة، هل كانا سعيدين حقاً؟


2

يقف هناك، وعندما توشك على البكاء يهرع نحوها. لكن الأوان قد فات على ما يبدو _ وهل خُلِق الأوان إلا ليفوت؟_ فهي تبكي الآن، وبدلاً من مواساتها بكلماتٍ حقيقية أو حتى زائفة، ينحني على الأرض ليجمع حبّات الدمع التي ترنّ مرتين، مرة على السيراميك، ومرّة على الروح. وهذا المنظر يجعل دموعها تنهمر بغزارة حتى يعجز عن التقاطها إذ تنتثر في كل مكان فيقضي ما تبقى من يومه في البحث عنها. تختبئ الدموع تحت الكراسي مثل الدمى، وخلف الستائر مثل الأطفال. وعندما يعثر عليها أخيراً، يجمعها في كوبٍ شفاف ويحمله إليها، يرجوها أن تشرب، ويعِدُها أن تتحسن في الغد. تتجرعها بصمتٍ ثم تنام. هو لا يستطيع النوم، ليس لبكائها، هي تبكي كل يوم، لا يعرف لماذا، ويظن أنها لا تعرف السبب أيضاً. لا يمكنه النوم حتى يتجول في البيت أكثر من مرة، ويطمئن تماماً بأنه لم يغفل عن أي دمعةٍ من دموع زوجته. عندما يأتي الطفل سينتهي كل هذا، أو على الأقل سيجد من يساعده.


1

يعيشان تحت سقفٍ واحد، لا يعرفان لماذا، لماذا عاشا معاً ولماذا يواصلان العيش معاً حتى الآن. تعرفون كيف تسير الأمور هنا، كيف يعلق اثنان ببعض. لا يجمعهما الحب قطعاً، وهما على يقينٍ من ذلك، ولا يشعران بالأذى أو حتى بالحرج، بل ما عاد في الأساس يلفت انتباههما. هو يظن بأنه القدر وهي توافقه الرأي، وعندما تصل الأمور إلى هذا الحدّ، من الأفضل أن يذعن المرء راضياً، وحتى لو سخِط، وخبط الأرض بأقدامه مثل طفل سيذعن أيضاً. 

يتبادلان الصمت والكلام، لا فرق كبير بين ما يقولانه وما يسكتان عن قوله. ولو تحدث - أو تحدثت - وانقطع الحديث فجأةً لأيّ سبب فلن يكترث الآخر ولن يعتريه الفضول لمعرفة ما تبقى من الكلام. يتبادلان أجسادهما أيضاً، لا يدرك بأنه يعاملها كمنفضة سجائر. ما الذي يميّز منفضةً عن أخرى؟ يمكن للمدخن أصلاً أن يستغني عنها. هي لا تدرك أيضاً بأنهما يتعاشران مثل البهائم، أو كما ستفعل الروبوتات لو سنحت لها الفرصة. لم يتوقفا لدقيقةٍ واحدة طوال هذه السنين ليفكرا هل هما تعيسان أم سعيدان، حتى عندما يتناولان العشاء في الخارج، يبدوان غريبين من زاوية، وزوجين من زاويةٍ أخرى. تسير حياتهما بهذا الاتجاه ولو حدثت معجزةٌ ما، وقد توقفت المعجزات عن الحدوث منذ زمن، لسارا في طريقين يقودان إلى ذاك الاتجاه نفسه.