المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, ٢٠١٩

من أحلام عبدالقادر وساط..

صورة
رأى الشاعر والقاص عبدالقادر وساط، فيما يرى النائم، أن آلاف الرسائل تحيط به واقفةً من كل جانب مثل سكارى في زقاق. ولما كان ينوي الخروج من مقر جريدة الاتحاد الاشتراكي، أزاح بعضها بما يسمح لجسده بالمرور، وفي هذه الأثناء انتبه إلى أن الرسائل تخلو من اسم المرسل ومدينته. فض إحدى الرسائل وأخذ يتمعنها طويلا، ثم فض رسالةً أخرى وثالثة وهكذا حتى بلغ الرسالة العاشرة ثم توقف. صار من السهل عليه أن يخمن ما تقوله بقية الرسائل إذ كان أغلبها لا يتجاوز سطرا واحدا، بل هو السطر نفسه في كل رسالة، حتى الرسائل الطويلة لا تعدو أن تكرر ذلك السطر: "بَلينا وما تبلى النجوم الطوالع". وحين خرج إلى زنقة الأمير عبدالقادر لم يجد الزنقة ولا الأمير. هالهُ أن رأى فوق كل حبة رمل ناطحة سحاب. أغمض عينيه فعادت الزنقة واختفت ناطحات السحاب، لكن الناس راحوا يسيرون عبر الجدران، بل ويعلقون الصور في الهواء فكأنهم يقيمون في قصيدة لنيرودا لا في الدار البيضاء. أسلم نفسه لقدميه كما يسلم الفارس الجريح نفسه لجواده الأصيل فيحمله إلى البيت.  حملت قدما عبدالقادر، من تلقاء نفسها، سي عبدالقادر إلى الكاردينال، ولم

وقفة أنخل بينثون - خوان رولفو

صورة
توقف أنخل بينثون في المنتصف حيث يتفرع الطريق إلى أوثوماثين عبر فتحة ضيّقة تفضي إلى مزرعته للماشية "لاس بيرخينس". مسح عرف الحصان، ورمى، تحسُبًا، قبعته العريضة خلفه، كي يتثبتوا من هويته، إذ أخبره حدسه بعد سنواتٍ وسنوات من اليقظة والانتظار أن ما لا يقل عن أربعة أو ستة أشخاص، وربما أكثر على وشك أن ينقضّوا عليه في ذلك المكان. لم ير أحدًا منهم، ولكن كان بمقدوره تقريبًا أن يستشعر أنفاسهم. ثم إنه لطالما خمّن حدوث هذا عاجلًا أم آجلًا، فإن لم يكن هناك فلا بد أن يقع في مكانٍ آخر. ما عجز عن فهمه هو السبب الذي يدعوهم إلى الانتظار كل ذلك الوقت، فحتى الحصان بدا ضجِرًا، يحرك رأسه في غيظ ويدور حول نفسه مبديًا رغبته الصريحة في ورود المنهل. وقف أنخل بينثون أخيرًا على الرِكاب وصرخ حتى يسمعه الجميع: "فلننهِ هذا الأمر يا أبناء القحبة، أطلب منكم فقط ألا تطلقوا الرصاص على رأسي! خراء على أم من يفعل ذلك! هل سمعتموني؟". انهمر الرصاص في الحال من مختلف الجهات. يضربه من الخلف ومن جنبيه، دون أن يُصيبه من الأمام أو يمس الحصان المذعور، الذي اندفع مباشرةً نحو فتحةٍ في الجدار، كأن غري

في مديح الثعلب..

صورة
لطالما أحببت الثعلب، أقدم الخارجين عن القانون. الثعلب الأحمر تحديداً، لا الرمادي، وقطعاً ليس الأسود الذي مشى إليه داروين ودق رأسه بكل سهولة وحسن نية. يمكن للثعلب أن يكون أي شيء إلا أن يكون أبله. أما الثعلب الرمادي فيتصرف كقاطع طريق، وكما لا يخفى على أحد ينتهي الأمر دومًا بقطاع الطرق نهايةً دموية، رصاصة في الظهر كما حدث لجيسي جيمس أو ١٦٧ رصاصة كما حدث لبوني وكلايد.  أحب في الثعلب الأحمر مخيلته الواسعة -كم خسرنا بنفوره من الأدب- فهو يصطاد حتى الطيور التي يمكنها النجاة فقط لو ارتفعت قليلاً عن الأرض. يصطاد حتى الغراب مخترع الحذر، ولعلي أتذكر هنا القصة الشهيرة للغراب الذي أراد أن يحذِّر ابنه من الإنسان، وكم كان على حق، فراح يحثّه على الطيران بمجرد أن يرفع الآدمي يده التي قد تحمل سلاحا أو حجرًا أو سبابة بذيئة، لكن الغراب الصغير بدا غير محتاجٍ إلى نصيحة الأب إذ قال: بل أطير حالما يُقبِل. يتظاهر الثعلب بالموت فيستدرج الغراب بعبقرية حتى إذا أراد أن ينقر عينيه انبعث بغتةً من العدم والتهمه. والثعلب لا يدفعه الجوع للانقضاض على فريسته مثل أي حيوان، بل يحملها فوق صدره مثل نيشان، وهو يأنف