الأحد، 29 مايو 2016

تأملات اندريس نيومان في كتابة القصص القصيرة *





- الصوت هو من يقرر الحدث لا العكس.
- القصص الدائرية تماماً تطوق القارئ فلا تسمح له بالخروج كما لا تسمح له بالدخول أيضاً.
- ليس للقصة القصيرة جوهر، فقط بعض العادات.
- كل قصة قصيرة تنتهي في الوقت الصحيح يمكنها أن تبدأ مرةً أخرى بشكلٍ مختلف.
- الانفعالات المنضبطة تفضي إلى السحر أما تلك المنفلتة فلا تصنع غير الألاعيب.
- في السطور الأولى تكون حياة القصة على حافة الخطر وتُبعث من جديد في السطور الأخيرة.
- تظهر الشخصيات في القصة بعفوية، تمر بجانبنا وتمضي في سبيلها.
- كتابة قصة قصيرة أشبه بالقدرة على الاحتفاظ بالسرّ.
- تُحكى القصص بصيغة الماضي ولكنها تحدث الآن دائماً.
- المبالغة في تعقيد الأحداث المتناقضة تصيب القصة القصيرة بالأنيميا وقد تخنقها حتى الموت.
- في القصة القصيرة، يمكن للدقيقة أن تكون لا نهائية كما يمكن للأبد أن يطوى في دقيقة.
- السرد يشبه الغواية: إياك أن تشبع فضول القارئ بالكامل.
- المراجعة تعني الاختصار.
- إذا أخفقت في إثارة المشاعر، لا بد أنك أخفقت في كتابة القصة.
- تعرف القصة القصيرة متى يجب أن تنتهي وتُبدي التزامها بذلك. عادةً ما تنتهي قبل زمنٍ طويل من خيلاء القاص.
- لا تفسير للحبكات الجيدة.
- الحرية القصوى في القصص القصيرة تكمن في احتمالية البدء من الصفر كل مرة.
- السكون هو فن الأشياء التي على وشك الحدوث.


* بتصرف

الأربعاء، 25 مايو 2016

الرجل الذي اعتاد أن يقول له الناس: لا - جيورجيو مانقانيللي






ينتظر الشاب أن تضيء إشارة المشاة ليقطع الشارع في طريقه إلى منزل امرأةٍ ينوي التقدم لها، راجياً أن يُرفض. لطالما كان جيداً في دفع الناس إلى قول " لا " وفي العيش عموماً في محيط رفضٍ دائم. وعندما يُقبل عرضه في حالاتٍ قليلة، يبدو قادراً على إثارة فوضى مروعة. من حيث المبدأ، كان يتوقف عن لقاء امرأةٍ أجابت ب " نعم ". في الحقيقة، لم يكن حتى يحب تلك المرأة التي ينوي بطريقةٍ ما أن يعرض عليها الزواج، ولكنه يفترض بأنها تتوقع منه ذلك، وليس بمقدوره أن يعصي رغبة امرأةٍ - وإن أخفتها على نحوٍ صارم - لا ينكر إعجابه بها. هل كان ذلك الشاب، الذي من الممكن أن يعشق تلك المرأة، سينفر بشكلٍ أقل فيما لو قالت " نعم ". هو يفترض بطريقةٍ ذكوريةٍ وصريحة - وإن لم تسنح له الفرصة لتجربة تلك الطريقة الذكورية والصريحة - ولكنه في الحقيقة وبشكلٍ غير طائش على يقينٍ بأن النهاية ستكون على أية حال " لا "، وبأنه يجب على تلك المرأة أن تتمرن على حقها في الرفض، بالإضافة إلى رغبته الواضحة في أن يكون الجواب " لا " لترضي معاً - رغبة المرأة ورغبته الأكثر حميمة في أن يقال بأنه لطالما تجنب الوقوع في الحب -. كان انطباعه صائباً حول اختيار تلك المرأة: وديعة، لطيفة، جميلة وتخشى ألا تكون كذلك، من المؤكد بأنها سترفضه بلباقة. ستقول بأنها تشعر بالإطراء أو ستقول شيئاً نبيلاً ورفيعاً وتحدثه عن الصداقة أو ربما تعترف بأن قلبها يميل إلى رجلٍ آخر. باختصار، سوف لن تعقّد مأموريته في التقدم إليها، لأنه في النهاية يقوم بكل هذا في الأساس ليسعدها. يتمنى من كل قلبه ألا يقع في فخٍ من سوء التفاهم المؤلم، ذلك أن الخبرة قد علمته بأن " نعم " هي ببساطة " لا " احتياطية، هي لاءان متناغمتان بلا أذى وبشكلٍ مريح بدلاً من " لا ". مليئاً بالثقة، يقطع الشارع الآن كما لو أنه لا يقود نفسه إلى حياةٍ جديدة.


* ترجمة بتصرف.


الاثنين، 23 مايو 2016

الملابس ـ أندريس نيومان





" كان أرستيدس معتاداً على الذهاب عارياً إلى العمل. وكنا نحسده جميعاً، ليس على جسده فلم يكن مثيراً للإعجاب، ولكن على تلك الثقة، وقبل أن نتمكن من الضحك كان يرمق ملابسنا موبخاً ثم يدير لنا ظهره ومؤخرته الشاحبة والخالية من الشعر.

" هذا الأمر لا يطاق " زمجر رئيس الإدارة عندما شاهده للمرة الأولى يتجول عارياً في الممر. فما كان من أرستيدس إلا أن أيّده بقوله: " فعلاً، فالجميع هنا يتأنقون بشكلٍ مروّع".

ونظراً لكوننا في الربيع افترضنا بأن الوضع لن يدوم حتى مطلع الخريف وبأن الطقس في النهاية سيعيد الأمور إلى نصابها. وفي نوفمبر، جرت الأنهار وعادت الأمطار إلى المجارير، والسحالي إلى المستنقعات ولكن شيئاً لم يتغير في أرستيدس بخلاف ارتعاشة أكتافه الخفيفة كلما انتهينا من العمل وخرجنا إلى الشارع. " لم أسمع بمثل هذا "، صاح رئيس الإدارة متدثراً بمعطفه المطري فأجابه أرستيدس بشكلٍ مرتجل: " فعلاً، فلم تثلج بعد".

وبمرور الوقت، حلّ التقديس بطريقةٍ بطولية مكان التمتمة. كان الكل راغباً في التسكع مثل أرستيدس، أن نمشي مثلما يمشي وأن نكون مثله بالضبط. ولكن أحداً لم يتُق إلى المبادرة بالخطوة الأولى حتى ذلك الصباح القائظ - ولأن بعض الأشياء لا بد من حدوثها - جاء أحدنا وهو يرتجف بلا ملابس. لم تُسمع ضحكة واحدة، بل على العكس عمّ صمتٌ سحيق، وبعد فترةٍ من الوقت صرنا نثرثر بإعجاب. نتأمل هذا الجسد العاري وهو يستعرض في الممر بينما يتظاهر البعض بأنه لا يرى شيئاً ويواصل عمله كما لو أن شيئاً لم يحدث. وبعد بضعة أسابيع على أية حال كان من النادر أن تجد أحداً بملابسه في المكتب. كان رئيس الإدارة هو آخر من أذعن: سبقنا إلى الظهور يوم الاثنين بكرامته الخائرة وجسده المشعر والمقزز بعيداً عن أناقته المعتادة. وفي تلك اللحظة شعر جميع الموظفين بالقوة والراحة. صرنا نتجاوز بعضنا البعض في الممر بصخبٍ ومرح، يصفع أحدنا مؤخرة الآخر بينما نستعرض عضلاتنا. وكلما آزرتنا عينا أرستيدس قابلناها بتجهمٍ وازدراء. 

أُدرِك أنه من الصعب مقاومة الشتاء، فلم يتبق عليه سوى أيام قليلة. جلدي أخبرني بذلك وعضلات أكتافي التي تنكمش كلما غادرت المكتب. بالرغم من تلك العوائق، أكثر ما يعذبني شعوري بالسذاجة كلما تذكرت السنوات التي قضيتها بملابسي. فأنا مستعد للبقاء هكذا - طوال الوقت الذي يحتاجه الآخرين لإدراك شجاعتي - حتى ولو استلزم الأمر أن أبقى آخر عارٍ في المكتب.

بالرغم من ذلك - لسببٍ ما - لا زلت أشعر كلما ذهبت إلى العمل بأني لست مثل أرستيدس. لنقل بأني أحاول كل صباح ولكن لا، لسنا سواسية*


* ترجمة بتصرف

الاثنين، 16 مايو 2016

ترجمة مقتطفات من رواية اندريس نيومان.





" .. أولئك الذين يعيشون بلا أطفال يعتقدون بأنهم يمتصونك حتى الجفاف - وهذا ما يفعله الأطفال حقاً، أقسم على ذلك - ولكنهم لا يدركون بأن تلك الطاقة التي يكرعها الأطفال مثلما يكرعون الماء من الحافظة نسرقها منهم بالمقدار ذاته تماماً. الأمر شبيه جداً بالدائرة الكهربائية.

أشعر أحياناً بأن الأمومة ثقب أسود، مهما وضعت بداخله لا يكتفي أبداً، ولن تعرف أين ذهب كل ذلك. وفي أحيانٍ أخرى أشعر بأني مصاصة دماء تقتات على طفلها بالتهام حماسته لكي تتابع إيمانها بالحياة.

ولكن الطفل أيضاً أشبه بصندوق إيداع، وإن بدا ذلك أنانياً. تستثمر فيه وقتك وتضحياتك وتوقعاتك آملاً أن يقرّ لك بالعرفان مستقبلاً. كنت قد تجادلت البارحة مع أختي حين قلت بالحرف: "الطفل عبارة عن استثمار." قالت بأنها فكرة مريعة، لا يمكن أن تُفهم الأمومة من خلال مصطلحاتٍ اقتصادية، ومهما يكن من أمر لا تقولي شيئاً من ذلك أمام ليتو.

ولكني لا أرى الأمر بهذا السوء، فالأطفال أيضاً يضاربون بالحب، ويقضون حياتهم في إجراء حساباتٍ دنيوية: عندما أتصرف جيداً سأحصل على ذلك الشيء، وإذا ما تصرفت على نحوٍ سيء سينتزعونه مني، وإذا كنت لطيفاً مع أبي سوف أحظى بزيادةٍ مالية في بعض الأيام، وفيما لو كنت طيباً مع أمي يمكننا نحن الاثنان أن نفاوضه على تلك الزيادة. هكذا نحن في الحقيقة.

يوماً تلو الآخر تضع بداخل طفلك أفضل وأسوأ ما فيك. وبمرور الوقت تتسائل: هل يلاحظ شيئاً؟ هل سيتذكر؟ هل سينعكس ذلك عليه إيجاباً؟ وبما أنك لست قديساً تتسائل أيضاً: هل يدرك ما تفعله؟ هل سيجازيك على ذلك؟ هل يرغب في رعايتك لاحقاً؟".

---


" .. وكان عليّ أن أتولى مسئولية رماد ماريو، هكذا قال لي الناس، ولكن هل ينبغي أن أبقي عليه؟ والأهم هل يمكن لذلك الرماد أن يكون شخصاً؟ نصف الرماد لكي أكون أكثر دقة! نصفه لي والنصف الآخر لإخوته. يريدون أن يزرعوا شجرة، وأريد أن أنثره في البحر. وفي النهاية قررنا أن نتقاسمه بالتساوي.

سبق وأن تناقشت مع ماريو بخصوص جنازتينا، تحدثنا حولهما عندما لم يكن لذلك أي معنى. وعندما باتت حالته أكثر خطورةً ما عدت قادرةً على الحديث. حتى ماريو بكل غرابة، لا أدري ما إذا كنا اتخذنا القرار أو كنا نتغافل. ربما أراد أن يكون لي الخيار. ولكن هذا يثقل علي، كنت أفضّل الامتثال لوصيته دون أن تجرفني كل هذه الحيرة. حاولت أن أفاتح ليتو بطريقةٍ لطيفة ( لطيفة؟) لمعرفة رأيه. لامستني إجابته وأربكتني لأنه يتفق في النهاية مع عمومته. قال أنه يفضّل الشجرة، لأن جذورها قد تنمو وتكبر أسفل التربة وربما بعد سنوات - في يومٍ ما - يصعد فوقها، فوعدتهُ أن نقوم بزراعة شجرةٍ مع عمه جوانقو.

الشجرة ثابتة، والبحر يعود دائماً. كنت على حق.
ولكن الشجرة تنمو على عكس البحر، لقد كانوا على حق.
ولكن الشجرة تشيخ، والبحر يتجدد من تلقاء نفسه. الحق معي.
ولكن من الممكن أن نحتضن الشجرة أما البحر فيتملص، كانوا على صواب.
ولكن؟

أمس، قدت السيارة طوال اليوم مع نصف الرماد، غبار ماريو على المقعد المجاور، توجهت إلى الساحل في صمتٍ مهيب كما لو أني أنصت إلى أحد الراكبين. أريد أن أتذكر البحر كلما فكرت بماريو. أريد أن أشطف بعيداً تلك الذكريات الأخيرة، وأغسل جسده المريض وأن يغرق ذلك المستشفى الخرائي في الملح.

تأملت البحر بينما أخوضهُ وأفكر في ماريو. ليس ماريو المريض، ولا والد طفلي ولا حتى ذلك الشاب الذي وقعت في غرامه أيام الجامعة. فكرت بماريو بعيداً عني، كشخصٍ لم يلتق بي أبداً. ربما عاش في حياةٍ موازية، وُلِد في مكانٍ آخر - وإن بدا ذلك ساذجاً - وعرفت حينها أن المكان لا يهم وإنما الوقت الذي نمضيه في البحث عنه.

غرست يدي في الرماد، لامسته للمرة الأولى وقد كان أكثر غلظةً وكثافة مما توقعت. وباختصار، لم يكن يشبه الرماد على الرغم من شعوري بأنه قد يحوي بداخله ماريو، رفعت ذراعي ونثرته في الهواء فعاد إليّ، وبينما هو كذلك، لامس وجهي فشعرت بأني قمت بواجبي حتى فرغت كل الرماد فتخيلت أني أزرع البحر. لم يبدُ ذلك محزناً، فقد تناثر ذلك الرماد وتماسكت أجزائي. وخطر في بالي وأنا أغادر الماء بأنه يستطيع السباحة الآن"*


* بتصرف.