المشاركات

عرض المشاركات من 2026

الفازة الزرقاء

صورة
شهقت العاملة في المطبخ خوفًا من صوت الارتطام الذي تناهى إلى سمعها. جرت إلى الصالة فإذا الفازة الزرقاء قد انكسرت وتناثر حطامها على الرخام. ما كانت تخاف أكثر من هذا المنظر فالسيدة قد نبهتها آلاف المرات حتى باتت ترى الفازة في كوابيسها الليلية توشك أن تقع فتلتقطها في اللحظة الأخيرة. لم تكن السيدة بالمرأة المستبدة، بل لطالما كانت في غاية اللطف والحنان إلا عندما يتعلق الأمر بهذه الفازة تحديدًا. تعودت العاملة بعد شهور على القيام بأعمال البيت الشاقة حتى صارت تؤديها بشكل آلي، لكن ما إن تدنو من الفازة الزرقاء لتمسح عنها الغبار حتى ترتعش من الرهبة.   اجتمع أفراد العائلة بعد دقائق لينظروا إلى المصيبة التي نزلت على البيت. جاء الأب أولًا ثم ابنته المدللة ثم الأولاد الثلاثة وكانت الأم -على غير العادة- آخر الحاضرين. أما القط فتغيّب عن عمد إذ كان نائمًا على الأريكة الصفراء حين أيقظه دوي الارتطام. انتصبت قوائمه وتقوس ظهره وسرعان ما أدرك بغريزته أنه يقف في المكان والزمان غير المناسبين. ولما كان لا يملك أن يدافع عن نفسه انسلّ إلى الطابق العلوي قبل أن يراه أحدهم فيتهمّه ظلمًا، ولن تكون هذه هي المرة الأ...

الحديقة الزجاجية

صورة
  لا أحد يتذكر بالضبط متى اختفى الجدار الفاصل بين روضة الأطفال ودار العجزة، وكيف زحف الشيوخ وحبا الأطفال ليعانق أخيرًا بعضهم البعض. يقول الناس إن الحديقة الزجاجية، في الأصل، كانت روضةً للأطفال ثم تحولت إلى دارٍ للعجزة. يا لصدمة أولئك الآباء حين أتوا بأبنائهم في السابعة صباحًا ليجدوا شيوخًا جالسين على الكراسي الصغيرة الملونة. ارتفعت الأصوات في مكتب الاستقبال وهدد البعض بمقاضاتهم أو سحب أموالهم حتى خرج المالك الأحدب وهو يحمل عجوزًا نائمًا بين ذراعيه. قال بنبرة خافتة يمكن لأطفالكم اللعب مع الكبار أو العودة بعد ثمانين سنة. نحن هنا لرعايتهم الآن أو بعد عقود. على أن البعض يكذِّب تلك الرواية ويقول إنما أراد الناس أن يتخلصوا من آبائهم وأبنائهم دفعةً واحدة، وهكذا اختُرِعت الحديقة وحُشِر الأجداد والأحفاد فيها.   اعتاد المارّة أن يروا الأطفال في الحديقة الزجاجية وهم يدفعون العجزة في المراجيح حتى ترتفع الصلعات اللامعة وتلامس أوراق الصفصاف البلاستيكية. كما اعتادوا رؤية الطفل الجالس، كل مساء، تحت الشجرة الصناعية، يحدق ساهمًا في السماء ولا يمس أبدًا رضّاعة الحليب. العاملات يطفن بلباس الممرضا...

خلي بالك من سوسو

صورة
عندما دُعيت للكتابة عن سعاد حسني ظننت أنني سأكتب أغنية راقصة وأُلحِّنها في الوقت نفسه. رسالة حب طويلة لو قرأتها سعاد لما انتحرت أو قُتِلت. يكفي أن ترفع في وجه القاتل أي صفحة من صفحاتها العشرين حتى تترقرق الدموع من عينيه فيمسحها بقفازه الجلدي. تأتيه بالماء وترفع قناعه الأسود ليشرب فيعتذر باكيًا ويصلح قفل الباب. ثم يدعوها للانتقال إلى بيتٍ آمن. تسأله سعاد في قلق: أين ستذهب بهذه الحالة؟ فيحني رأسه الخزيان ويقول إنه سيذهب إلى المكان الذي يعود فيه إنسانًا. رسالة ربما تغير مصير الفن. رسالة تاريخية يتقاتل عليها ورثة نزار وجاهين وناجي ويوسف إدريس. رسالة تمنع النوم من غادة السمان. لكن الفنانة نور السيف قطعت الطريق على خيالاتي وقالت إنهم سيقيمون معرضًا فنيًا لا يحتفي بالنجمة سعادة بقدر ما ينطلق منها ليسلط الضوء على عزلة الفنان وكآبته الخفية.   بدت كل كلمة أكتبها مثل منشار في يد طبيب يوشك أن يقطع قدم عدّاء أو راقصة باليه. قلت على الأقل سأكتب أغنية عيد ميلاد للهالات السوداء، للتجاعيد، للترهلات، للدوالي، للحدبة الخفيفة، لما لم يتحلل بعد من عظامها. سأكتب ما يشبه التلويحة الحزينة لظهر إنسانٍ لن ي...

من القصة إلى الرواية..

صورة
  لو سُئِلتُ قبل عشر سنوات: "ماذا تريد أن تكتب؟" لأجبت بلا تردد: "أريد أن أكتب الرواية". الرواية لا القصة ولا حتى الشعر. لطالما تمنيت أن أكتب رواية كبيرة جدًا لا تنتمي إلى زمننا هذا بقدر ما تنتمي إلى زمن الكلاسيكيات العالمية. روايةٌ تلفت لضخامتها انتباه من يتجول في المكتبة فيتوقف قليلًا لقراءة العنوان، ثم يسائل نفسه: "هل يملك وقتًا للقراءة؟ هل يملك الرغبة حقًا؟" فإذا حمل الرواية من الرف العلوي أثقلت ذراعه، وسيتضاعف ثقلها حالما يرى أسفل الغلاف الخلفي ملصق السعر. "هل تستحق هذه الرواية أصلًا؟" يبدو الثمن، حسب رأيه، مبالغًا فيه. لن يمنعه من الشراء، ولكن لن يدفع نقوده هكذا دون أن يتبرم على الأقل.  يمضي بالرواية إلى البائع فيرمقه بنظرةٍ لا تخلو من الإعجاب، أم تلك نظرة ساخرة؟ ينساها سريعًا ويمضي إلى البيت، حتى إذا دخل تسلل بهدوء إلى غرفته محاذرًا أن يصدر صوتا. كلما خطا على الباركيه خشي أن ينفجر أحد الألغام الخشبية. لقد عاهد أبويه أو زوجته -والأمر أخطر في هذه الحالة- ألا يهدر أمواله مرةً أخرى في شراء الكتب. الجَدّة، رغم ضَعف نظرها، تراقب الداخل والخارج م...