الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

الرجاجيل - سكاكا



تقول هيئة الآثار إن عمر هذه الأعمدة المنحوتة هنا حوالي ستة آلاف سنة، ويبلغ عددها تقريباً خمسين عموداً، وهي من المواقع الأثرية القديمة جداً في الجزيرة العربية إن لم تكن الأقدم. ربما كانت أحجار معبدٍ قديم كما هو حال أخواتِها ( ستونهنج البريطانية ) أو لعلها نُصِبت هناك لقياس الوقت أو لحسابات فلكية.
ولأنها تبدو من بعيد جماعةً من الرجال الواقفين أطلقوا عليها هذا الاسم، وتضيف الأسطورة الشعبية أنهم رجالٌ كفروا بالنعمة حتى بلغ بهم السرف إلى الأكل بملاعق من ذهب فعاقبهم الربّ.
في جوف هذه الجبال أطنانٌ من الذهب، يقول زميلي في رحلة العمل القصيرة فأمازحه: ولماذا لا نبحث عنها؟ يبتسم: لقد أذهب التنقيب عنها الكثير من العقول، كل المجانين هنا فقدوا عقولهم لهذا السبب، ثم هناك الجنّ الذي يحرس الذهب، وإن غفل عنك فلن تغفل الحكومة. 
أتذكر كنز سييرا مادري وهو أحد أجمل أفلام همفري بوغارت. عندما فجروا الجبل بالديناميت قال إنهم جرحوا الجبل فعاتبه صديقه: ولماذا تتحدث عنه كما لو أنه امرأة من دمٍ ولحم؟ وعندما عثرا أخيراً على الذهب، قال الأول إن هذا الذهب يكفيه ليعيش بهناء طيلة حياته أما الآخر فردّ بخسّة الإنسان المعهودة: " لا! أنت عجوز وأنا شاب، أحتاج أضعاف هذا الذهب حتى أعيش." سيقتل أحدهما الآخر في النهاية أو هكذا أتذكر. 
أتذكر أيضاً قصة الإيمان والجبال للمعلم الغواتيمالي أوغوستو مونتيروسو وهي إحدى أجمل ثلاث قصص قصيرة جداً قرأتها في حياتي. والقصة لا علاقة لها بالذهب بالمناسبة. هناك أيضاً جبل فيرجيلو بنييرا والرجل الذي عقد العزم على أن يلتهمه حتى آخر حصاة. لو كنت كاداريه أو أشبهه قليلاً لجعلت أحد الأعمدة الخمسين يختفي ونصبت مكانه رواية قصيرة على غرار " من قتل دورنتين؟".
عندما وقفت قبالة الرجاجيل تذكرت تميم بن مقبل وأمنيته الشاخصة أمامي: " ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ.. تنبو الحوادث عنه وهو ملمومُ". أطلت وقوفي فلم يتحدث أحدهم ولو تحدث على رأي الفرنسي غيللفيك هل كنت سأخبركم؟ هل كنتم ستصدقوني؟

السبت، 21 أكتوبر 2017

أيام مستعملة وقصص أخرى..



-١-

كان شكه إذن في مكانه الصحيح، هذا اليوم مستعمل فعلاً، بدا صباحه مجعداً وعلى الظهيرة الآن تظهر بعض البقع الداكنة. لا بد أن أحداً استخدم اليوم قبله وأفسده، هذا اليوم ليس جديداً، هذا أمس أحدهم. لقد أخذ أجمل ما فيه وترك له هذه الأسمال. ترك الخرائط وأخذ الطريق، ترك الأبوين والإخوة وأخذ العائلة، ترك البيت وأخذ السكينة أو الوطن أو من يدري ماذا أخذ أيضاً. لعل هذه السنة مستعملة، بل قد تكون حياته المهترئة مستعملة أكثر من مرة.


-٢-

لفّ حوله السجاد حتى ما عدنا نرى منه إلا الرأس والقدمين، وارتمى على الأرض ثم صاح لا لكي نخلّصه بل لندفعه بأقدامنا فيتدحرج بعيداً مثل اسطوانة. رفضنا بالطبع فأخذ يتوسل إلينا ويستحلفنا بأغلى ما نملك حتى نركله في المنتصف تحديداً فلا ينحرف عن وجهته. اجتهدنا عبثاً لنقنعه، قال أحدنا: ولكن كيف ستعود؟ فأجاب بثقةٍ إنه لن يعدم أهل الخير هنا وهناك، لا بد أنهم سيركلونه حتى يعود إلى البيت. 

دفعناهُ أول مرة فابتعد قليلاً، دفعناهُ مرةً أخرى فابتعد أكثر حتى غاب عنا وإن لم تغب ضحكته الهادرة. أشفقنا عليه في الأيام الأولى ولما انتبهنا إلى سعادته كلما ارتطم بحجرٍ وطار في الهواء، تملكنا الإعجاب والحسد، فلم يمضِ الأسبوع الأول حتى شرعنا في تقليده فتحسرنا على العمر الذي أهدرناه وقوفاً على أقدامنا.

صار الكل يلف نفسه بالسجاد حتى كدنا نعدم من يدفعنا بقدميه، عوائل بأكملها باتت تتدحرج مسرعة، آباء وأمهات يتقدمهم أجدادٌ وجدّات - إن وجدوا - وفي الخلف أبناؤهم وأحفادهم. قطيع من السجادات السعيدة يجوب البلدة. كنا ندور حول كل شيء وكل شيء كان يدور حولنا حتى وقعت حادثة الارتطام المشؤومة في إحدى التقاطعات، وخلفّت عشرات الجرحى، حالة بعضهم حرجة، فتوقفنا على الفور.

أما أنا فخسرت في تلك الحادثة ثلاثة من أسناني الأمامية، ارتطمت بفتاة أحلامي - قبلّت فمها بالأصح - وكسرتُ بعض أسنانها بطبيعة الحال. لم تغفر لي حتى الآن، حتى عندما أنحبنا طفلاً رائعاً كلما أفلت من المهاد أخذ يتدحرج في أرجاء الشقة فلا يمكننا الإمساك به.


-٣-

ما لم يتداعَ العالم الجديد ويغدو قديماً، سيظل عاطلاً عن العمل، ولن يكون الموسيقار الذي يجب أن يكونه، رغم أنه، حتى الآن، لم يؤلف مقطوعةً موسيقية، بل ولم يتقن العزف على أيّة آلة. كلما أوشك على ملامسة البيانو انعقدت أصابعه واشتبكت مثل أسلاك الهاتف، حتى يصبح الإبهام مكان السبابة، والخنصر مكان الوسطى، ولكنها بالطبع مسألة وقت، لا أقل ولا أكثر، فالموسيقى هنا، يشير إلى رأسه ثم يغمض عينيه ويبتسم. 

- اسمع هذه المقطوعة ( ويشرع في ترديد بعض النغمات ) 
- أليس هذا فالس الدانوب الأزرق لشتراوس؟
- بلى، تقريباً. أنوي تسميتها " الدانوب الأبيض " أو حتى الأسود. حسناً، ما رأيك في هذه؟ ( يترنم بمقطوعةٍ أخرى )
- ولكن هذا بيتهوفن " إلى ليزا ".
- بالضبط، سبقني إليها كما سبقني إلى السيمفونية التاسعة أيضاً. 

طالما لكل بلدٍ نشيد وطني -كما هو الحال الآن- لن يحظى بأي فرصة عمل، لأن موهبته الموسيقية تنحصر فقط في ذلك الشكل من الموسيقى، ولهذا يتوقف مصيره المهني على سقوط هذه الدول وقيام دولٍ جديدةٍ أو سيظلّ يشكو من البطالة.


-٤-

الذي يتلفت بين الفينة والأخرى، ويدفع قدميه كل مرة لتغدو خطوته أكبر، فلا هو يمشي مثل مطمئن ولا هو يخُب مثل هارب، ولا يتوقف أبداً. ويذوب مثل الملح ليعبر نقاط التفتيش، ويتحلل مثل الهواء فلا تراه كاميرات المراقبة، وفي اللحظة الأخيرة يخرج من المصعد ليصعد السلالم، ويحجز على الطائرة فيركب الباص، ويقفز من النافذة قبل أن يصل. ويتنقل مثل البرق فلا يقيم في مكانٍ واحد أكثر من مرة. وإذا عاد فلِكي يمحو أثره، وقد يضطر للعودةِ مرةً أخرى ليمحو أثره الآخر، يغير اسمه وشكله وذكرياته باستمرار. ويفرّ في الصباح من الأوراق الحكومية وفي المساء من ألسنة الناس وفي الليل من أحلامهم وكوابيسهم. الذي يفعل كل هذا وأكثر، فلا هو يفلت من مطاردة الآخرين، ولا هو يفلح في الإمساك بنفسه.

الثلاثاء، 15 أغسطس 2017

أربع قصص قصيرة جداً للأرجنتيني انريكي اندرسون إمبرت*



-١-

تندم الزمن بشدّة عندما رأى ما فعله بذلك المسكين: مغطى بالتجاعيد، بلا أسنان، يشكو الروماتيزم، شاب شعره وانحنى ظهره. قرر أن يساعده بطريقةٍ ما فمرر يده على كل ما في ذلك المنزل: الأثاث والكتب واللوحات والأطباق ... ومنذ ذلك الوقت صار بمقدور العجوز أن يعيش، ما تبقى من حياته، على بيع ممتلكاته بأثمانٍ باهظة، تلك الممتلكات التي صارت الآن أنتيكات نادرة.


-٢-

عدت إلى البيت في ساعات الفجر الأولى، مثقلاً بالنعاس والتعب. وعندما دخلت كان الظلام دامساً، وكي لا أوقظ أحداً مشيت بحذر حتى الدرج الحلزوني الذي يقود إلى غرفتي. وما إن وضعت قدمي بصعوبة على الدرج حتى تساءلتُ ما إذا كان هذا البيت بيتي أم بيتاً آخر يشبهه. كلما صعدت خشيت أن يكون ذلك الولد الآخر - قد يكون مثلي تماماً - نائماً في غرفتي، ربما كان يحلم بي، وأنا أصعد الدرج الحلزوني بهذه الطريقة. وصلتْ، فتحت الباب فوجدته هناك، أو لعله كان أنا، الغرفة مضاءة بنور القمر. جالساً بعينين متسعتين على السرير. أخذنا لوهلة نحدق لبعضنا البعض. ابتسمنا، بدت ابتسامته شبيهة بتلك التي على شفتيّ، كما لو أنها على المرآة. أحدنا كان مخطئاً. " من يحلم بالآخر؟ " صرخ أحدنا أو ربما صرخنا معاً. وفي تلك اللحظة تناهت إلى سمعنا خطوات قادمة من الدرج الحلزوني. اتحدنا معاً بحركةٍ واحدة، وهكذا أخذنا نحلم بأن الذي يصعد الدرج هو أنا مرةً أخرى.


-٣-

كان ماريانو ضابطاً في إحدى محافظات بوينس آيرس. وفي إحدى الأماسي هرعت إحدى الجارات وهي تصرخ: " لقد انتحر زوجي. " " هدئي من روعك يا سيدتي. " اعتمر ماريانو قبعته وحمل سلاحه، ومضى برفقة الخفير إلى بيت المرأة التي لم تكف عن الكلام والأنين : " إنه خطئي، نعم أنا المذنبة، أنا المذنبة. تشاجرنا فقال إنه لم يعد قادراً على تحملي أكثر من ذلك. أقفلَ على نفسه الغرفة وضغط على الزناد. آه يا للكارثة! الآن عندما حملتُ بطفلٍ آخر." 
طرق ماريانو الباب بقوة، وبما أن أحداً لم يُجِب، كسر الباب بقدمه. كان الرجل ممدداً على السرير ينظر إليه بهدوء، والمسدس على الطاولة الجانبية.
" ماذا؟ ألم تمُت؟ "
" لا، يا سيدي. "
" والطلقة؟ "
" أطلقتها على السقف. تشاجرت مع زوجتي فأغلقت الباب وأطلقت على السقف حتى ألقنها درساً."
كاد ماريانو أن يضربه ولكنه عدل عن رأيه. أخذ المسدس من الطاولة وأعطاه الرجل قائلاً: " والآن أطلق النار، ستنتحر صدقاً هذه المرة." 
أخذ الرجل المسدس، أطلق رصاصةً على ماريانو، ورصاصةً أخرى على الخفير، وثالثة على زوجته، أما الرصاصة الأخيرة فأطلقها مرةً أخرى على السقف.

-٤-

كل الرجال، أنت وأنا والجميع تحت المراقبة الدائمة للحيوانات التي تترصد عن بعد أدنى تحركاتنا، تحاصرنا أحياناً، وتدّعي اللامبالاة في أحيانٍ أخرى. هل يعود السبب إلى اكتشافهم خطورتنا الشديدة مما جعلهم يستعدون لشنّ الحرب علينا؟ لا أدري، ولكنهم قطعاً - وعلى كل درجات السلم الحيواني - يشاهدون وينتظرون. البعض يتظاهر بالفرار، ويختبئ البعض الآخر. البعض يسمح لنا باصطياده حتى يسترق إلينا النظر من أقفاص حديقة الحيوان. بعض الحيوانات تقترب كما لو أنها مشتتة أو غير مهتمة ولكنها مثل أولئك المحققين الذين يتنكرون بهيئة المشردين ويقطعون الشارع بضجر. ذات مرة، جاءت أنثى السنجاب لتلعب معي، لاحظتُ على الفور بأنها تريد مهادنتي ولما رفضتُ مواصلة اللعب معها ذهبتْ بعيداً. صدقني، إنهم يدبرون أمراً ما. أملنا الوحيد - عاجلاً أو آجلاً - أن يؤول الأمر إلى كلبٍ يكشف لنا خطة الحيوانات السرية، فهو الحيوان الوحيد الذي بمقدوره - من أجل أن يسدي لنا هذه الخدمة - أن يخون الآخرين. ألم تلاحظ كيف يبدو الكلب أحياناً كما لو أنه يود إخبارنا بأمرٍ ما؟

* ترجمة عبدالله ناصر



الاثنين، 24 يوليو 2017

تعليمات الفقد - عبدالله ناصر




١- لم يرحل بعد طالما هو يرقد في العناية المركزة. لا تعلن الحداد قبل أوانه. طبعاً لا يزال هناك أمل.

٢- إذا كنت محظوظاً سيحدث هذا في سنٍ مبكرة أو متأخرة. في الأولى لن تفلح في إدراك ما حدث وما سيحدث، وفي الثانية سيغدو كل شيءٍ متوقعاً على الأغلب.

٣- لن تدوم أيام العزاء الثلاثة طيلة حياتك ولكن قد تتغير حياتك إلى الأبد، وقد لا تتغير.

٤- لا تتحدث إلى صورة الراحل، قد تبدأ هي الأخرى في محادثتك.

٥- لا تنزع صورته من الجدار، لماذا تنزعها في الأساس؟ لن يعجّل هذا في النسيان كما لا يخلو من الوقاحة.

٦- لا تتعمد النسيان بهجره تماماً ولا تتعمد الذكرى بزيارته الدائمة فهما - النسيان والذكرى - وأنت كذلك بحاجةٍ إلى بعض الوقت

٧- إذا كنت تحتفظ بتسجيلٍ صوتي أو مرئي فسارع إلى التخلص منه. هذا ما يحتاجه اللاوعي حتى يصدّق أن الراحل يمكن أن يعود.

٨- لا تتقمص شخصية الراحل، أو نبرته أو طريقته في الضحك أو الجلوس. قد تتحول إلى شبح ولا تعيش الأشباح كما هو معلوم إلا في الليل والخرائب.

٩- لم يكن وهماً ما حدث، توقف أرجوك عن الأمل، ولن يكون أكثر حقيقة مما كان، توقف أرجوك عن اليأس


١٠- ستلتقيان مرةً أخرى، هل فكرت بما سوف تقوله آنذاك؟