الجمعة، 14 أكتوبر 2016

إطلاق السالِفَين - غويليرمو روساليس




ما إن فُتِح باب صالون أليبيو للحلاقة، في الصباح الباكر، حتى دخل رجلٌ له وجه سفاح، مرتدياً زيّاً أزرق لحارس أمن، بجرابٍ ملئ بالطلقات، يتدلى منه مسدس من طراز ستار. سرت رعدة في قدمي أليبيو _حالما رآه_ وتصاعدت حتى استقرت في قلبه الذي اضطربت نبضاته.

لقد كان هو. لم ينس أليبيو ذلك الوجه الطيني، وتلك الأذنين المشعرتين، والسنّ الذهبي، والشارب النحيف الذي كان صرعةً دارجةً في الخمسينات. لقد كان هو. لم تستطع تلك الثلاثين عاماً أن تغير ملامحه الرئيسية. لقد كان هو. هنا في ميامي، حارس أمن في المقبرة أو في متجر ملابس. أما هناك في كوبا، قبل الثورة، فقد كان النقيب السافل أوفيديو ساما ذو الصيت العنيف والآثم في المخابرات العسكرية.

خطر في ذهن أليبيو لأول مرة أن ابنه كان سيبلغ الثامنة والأربعين، وبتلك الموهبة الحسابية، كان من الممكن أن يغدو الآن اقتصادياً لامعاً أو محاسباً عبقرياً. هذا ما كان يدرسه في الجامعة _ المحاسبة_ عندما قتلوه.

- " هل ترغب في الجلوس؟ هناك حلاق آخر ولكنه لن يأتِ قبل العاشرة." سأله أليبيو.
- " جئت من أجل الحلاقة فقط." أجاب بصوتٍ خشنٍ يتوافق مع ملامحه.
- " تفضل بالجلوس إذن، سآتيك حالاً."
جلس الرجل على كرسي أليبيو وأغمض عينيه كما لو أنه يوشك أن ينام.
- " هل تفضّل الشفرة؟ "
- " نعم."
تناول أليبيو شفرة الحلاقة وأخذ يشحذها بالسير الجلدي. لقد أمضى الكثير من السنوات في البحث عن هذا الرجل الذي صار الآن بين يديه. ذهب إلى جاكسونفيل، كانوا قد أخبروه بأنه يقيم هناك، ثم قالوا بأنه يعيش في نيوجيرسي، ولكنهم ذكروا هناك بأنه قد غادر إلى كنساس ليعمل حارس أمن في نادٍ ليلي. هرع بمسدسه ومديته إلى كنساس، تجول في كل البارات والأندية الليلية والأوكار القذرة، يسأل عن ساما اللعين الذي قتل ابنه في مظاهرة طلابية عام ١٩٥٧. ثم توقف عن البحث عندما نبا إلى علمه أنه صار يتاجر بالمخدرات في فنزويلا.

والآن، ها قد ساق القدر ساما إلى يديه. هذا اللعين الذي فرّغ مسدسه في جسد ابنه حتى بات من الصعب التعرف إليه. كان ابنه الوحيد، الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر في  الحياة.

- " هل ترغب أن أقتلع هذه البثور؟"
- " لا، لا تنشغل بها، أود فقط أن تحلق ذقني."
- " هل تعيش هنا منذ زمنٍ بعيد؟"
- " حوالي ثلاثين سنة، كنت من أوائل الذين هاجروا، ماذا عنك؟"
- " جئت لاحقاً، كنت على يقينٍ في البدء ثم شعرت بالخذلان فيما بعد."
- " يحدث هذا للكثير من الناس."
لم يقولا شيئاً آخر. عصر أليبيو معجون الحلاقة، وأخذ يحدد السالف الأيمن بالشفرة. قد يكون هذا الوقت المناسب. لو ضغطت يده قليلاً سيهوي هذا الرأس ميتاً على المنشفة البيضاء. ولكن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لن يصدق أحد بأنها مجرد حادثة. لن يتفهم أحد بأن ذلك الثأر دام ثلاثين سنة. مرر أليبيو شفرة الحلاقة على خد الرجل الأيمن ثم انتبه إلى ذلك الكيس في ذقنه فبذل أقصى ما بوسعه حتى يتفاداه.

بقي الرجل صامتاً، بعيونٍ مغمضة، كما لو أنه يستمتع كثيراً بملمس الشفرة الناعمة وبرودة كريم الحلاقة. من الآن فصاعداً، تبدو بالنسبة إلى أليبيو كل لحظةٍ مواتية جداً. ثلاثون سنة. ثلاثون سنة. انتقل إلى الخد الآخر فحلقهُ في ثلاث حركات دقيقة.

- " هل تريد أن أقصّر الشارب أم أبقيه كما هو؟"
- " دعهُ هكذا، يبدو رائعاً، لطالما تركته بهذا الشكل مثل كلارك غيبل."
وعلى الرغم من ذلك، أخذ أليبيو المقص وقص بعضاً من شعيرات الشارب والأنف. لم يكتفِ بذلك، بل قام أيضاً بتشذيب حاجبي الزبون الكثّين. لم يستطع أن يقتله. لقد أدرك الآن فقط أنه لم يستطع ذلك. لن يفهم أحدٌ قصته. سوف يقضي ما تبقى من حياته في السجن. الأسوأ من ذلك أن يرى الدم يتدفق وإن كان الدم لسفاح. فالدم له الوزن نفسه عندما يحين الوقت لحسابه الأخير في الجنة.

جفف أليبيو وجه الرجل بمنديلٍ نظيف وأخذ المنشفة التي كانت على صدره. ثم حمل إليه المرآة لينظر الرجل إلى نفسه لعدة ثواني.

- " هل أنت راضٍ عن الحلاقة؟"
- " تقريباً".
- " حسابك ثلاث دولارات."
أخرج الرجل محفظته وانتزع منها خمس دولارات.
- " احتفظ بالباقي."
- " شكراً " دمدم أليبيو والأسى يظلل وجهه.

وقف الرجل قبالة مرآة الصالون الكبيرة وعدّل قميصه وربطة العنق ثم قال: " لقد جئت هنا لأنهم أخبروني بأنك تبحث عني وتسعى لقتلي. ولكن لعلك الآن أدركت بأن القتل ليس سهلاً".

الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

الروائي محمد عبدالنبي يكتب عن فن التخلي:



ما بين سطرٍ واحدٍ وصفحةٍ كاملةٍ تتراوح محتويات فن التخلّي، المجموعة القصصية الأُولى للكاتب السعودي عبد الله ناصر والصادرة حديثًا عن دار التنوير، غير أنَّ أغلب القصص الواحد والثمانين مكتوبة في فقرةٍ واحدةٍ مِن بضعة سطورٍ، في كثافة قصيدة النثر وطرافتها، وطموح الأقصوصة أو النادرة إلى اكتناز العالم كله بين قوسَي تنصيصٍ.


لن يشعر القارئ بهويةٍ تقليديةٍ لكاتب هذه الأقاصيص، بمعنى قدرتنا على تحديد سياقٍ مُحدَّدٍ له، سياق مكاني وزماني وثقافي، إنه فقط يكتب في أيامنا هذه التي تنهزم فيها الحدود الحاسمة، على الأقل في الواقع الافتراضي، وتنحسر فيها أساطير نقاء العرق والنوع، على الأقل بين الأنواع الفنية، ويغيب فيها التشبث الأحمق بالخصوصية، على الأقل في بعض منتجات الفن والثقافة. كأننا أمام ذاتٍ عالميةٍ، تتحرّك بحريةٍ تامةٍ على خريطة جوجل إيرث، وبين روايات وأفلام وموسيقى وأعمال فن تشكيلي تنتمي جميعها إلى التراث الإنساني عمومًا والغربي خصوصًا واللاتين أمريكي تحديدًا. غير أنَّ الفن هُنا ليس لذاته، فكأنه مجرد ذريعةٍ للعبةٍ أشمل وأخطر، لعبة خلط الأزمنة والأمكنة، لتصير المرجعية الفنية والثقافية مجرد آلة زمن يسافر بها النص حُرًّا مرتاحًا، شأن الجدار الذي جمعَ أخيرًا بين رأس الوعل بعد صيده وتحنيطه والبندقية التي أردتْهُ، لكن يظل كلٌّ منهما له تاريخه وحنينه وتفضيلاته من قنوات التليفزيون التي تواجهه في أبديته المنزلية.


التقافز بين الأمكنة والأزمنة مُتَّكأٌ أساسيٌّ لإنتاج اللعب والمفارقة. آخر القصص بعنوان فارق هائل في التوقيت ترسمُ شخصًا عجولًا إلى درجة ابتعاده عن ظله وعدم قدرة أقداره على اللحاق به، وفي قصة قفزة الثعلب نرى العكس تمامًا حيث شخص تعدو الحياة أمامه ويظل متأخرًا لثوانٍ عن الإمساك بها، وتتكرر مثل تلك الألعاب المعتمدة على فوارق السرعة والتوقيت والاختلالات الزمانية والمكانية بحيث تشع عبر قصص الكتاب ككلٍّ، ففي قصة حياة سريعة يستيقظ أحدهم في عيد ميلاده الحادي والعشرين ليجد نفسه قد بلغ الأربعين بشاربٍ عثمانيٍّ وامرأة سمراء تتصرف كما لو كانت زوجته، وهناك آخر يختزن الوقت ليتصرَّف فيه عند الحاجة إليه في قصة حياة على الرف.


يتعانق المشهد السردي والتعبير الشعري لإنتاج دراما صغيرة محبوكة لا تتجاوز الأسطر المعدودة، سِمتها الطرافة وقوامها المفارقة، أحيانًا كانت تتوزّع المفارقة على كامل النص فتضيئه إضاءةً متساوية، وأخرى كانت تُحتجز للسطر الأخير لتلعب لعبة التنوير القديمة فتفترب بالنص من المزحة التي قد تُقرأ مرة واحدة وكفى، غير أن خفة الروح لا يُمكن إنكارها عبر الكتاب، مهما قابلتنا بين الحين والآخر نصوص شجية عن الأب والحبية أو المرض والموت، تبقى تلك الابتسامة المعلّقة بين الضحك والمرارة، تبقى تلك المساحة التي يتداخل فيها ما يُسمى الواقع بما يُسمى المنتج الثقافي والفني، إذ يتحوّل المجاز إلى حقيقة وإذ يتساءل قط في إحدى القصص متى تحوّل إلى مجاز. ثمّة فكرة هاربة كأنها فراشة مضيئة في الليل، وراء كل قصة/فقرة، غالبًا ما استطاع الأسلوب أن يغويها ويصيدها ويضعها في إطارها المناسب ليبرز لُطفها، والكتاب ككل كأنه تحية إعزاز وتقدير للفنانين والكتّاب في كل زمان ومكان، كأنهم عائلة واحدة ممتدة أو رابطة سرية من المعاتيه وعشّاق الجمال والحياة.


تحكي إيزابيل أللندي في كتاب أفروديت عن معلّم اليوجا والتأمل ذلك الذي طلبَ منهم أن يأكلوا ثمرة عنب واحدة - أم كانت ثمرة كريز؟ - في نحو عشر دقائق – أم رُبع ساعة؟ - لتكتشف هي والمتدربون معها في الصف أنه يمكن لثمرة واحدة صغيرة أن تصير وليمة حقيقية للحواس إذا ما منحناها كل الانتباه والتقدير، تذكرت هذه الحكاية بينما أتذوق على مهلٍ بعض نصوص كتاب فن التخلّي، مرةً بعد أخرى.