الأحد، 13 يناير 2019

ربيع فيفالدي..





عائداً بالقطار إلى باريس من محطة ڤيرنون بعدما صرفت النهار بأكمله في قرية جيفرني متجولاً في بيت مونيه وحدائقه المائية. اغتسلتُ على عجل وخرجت مبللاً إلى شارع القصر حيث حجزت لحفلٍ موسيقي يقام في كنيسةٍ مجاورة. أذهلني من الخارج معمارها القوطي المهيب، وألواح الزجاج الملونة بالداخل. كانت عيناي تقفزان من لوحٍ إلى آخر مثل ولدين في غابة، وكان عليّ ألا أغفل عنهما فيبتعدان كثيراً ويقع ما لا يحمد عقباه

جلستُ خلف فتاةٍ آسيوية ما إن أومأ فريدريك مورو لفرقته حتى انطلق من الكمنجات ربيع فيفالدي. سرعان ما أسندتْ رأسها على كتف رفيقها فاختلط علي الأمر، من يربت على الآخر. بدا صديقها من الخلف أشبه بحائط، أنظر إليه فيعيد نظرتي مثل كرة. لا يوحي ظهره العريض بشيء، هل ينوي الارتباط بها أم الانفصال عنها؟ على عكس الوجه يبدو الظهر كتوماً وجديراً بالثقة مثل أعمى أصم.

تجلس أقصى اليسار سيدة خمسينية، وفي أقصى اليمين وفي الخلف وفي الأمام وفي كل مكان شاهرةً سبابتها حتى لا نُخرج هواتفنا ونصوّر. كم يناسبها أن تكون عمّة مع يقيني بأنها أم عظيمة، يناسبها أيضاً أن تكون مديرة مدرسة للمرحلة الثانوية. كان الشباك مفتوحاً على يساري، والنسائم عليلة وباردة أكثر من اللازم. حاولت عبثاً تفاديها بالارتماء على الكرسي أو بالانزلاق تحته ولم أجد بداً من الالتصاق بهذه المرأة والاختباء خلفها حتى صارت المسافة بيننا ٣ سم. لو كانت الكنيسة مدرسة والخمسينية مديرة لقبضت علي بتهمة الغش. كان طارق يلصق وجهه هكذا بشماغي ويهمس بصوته الجهوري من هو طرفة بن العبد؟ 

اقترابي الشديد من المرأة حصر مجال الرؤية في مؤخرة عنقها. التمعت لوهلة حبّات خالها مثل مجموعة الدب الأكبر، لو كانت مع بني اسرائيل لما تاهوا في الصحراء. أما النمش فكان على مجموعة الدب الأصغر. يبدو عنقها من الخلف مثل مرصد فلكي. بدت حبات الخال والنمش نجوماً تبعد عني ١٥٠٠ سنة لا ٣ سم حتى أيقنت بأنني لو مددت سبابتي أو لساني لما لامستها إلا في عام ٣٥١٨م

صلّيت ليحفظ الرب كل الأشجار البيضاء والقمحية والمحمصة والسمراء قليلاً وكثيراً. لتحرس الملائكة والشياطين -في حال كان عدد الملائكة لا يكفي- كل عنقٍ يزيد طوله عن سبعة عشر سنتيمتر. ليحنو القدر والأمل على أبراج الفانيلا والقشدة والنوتيلا، تلك التي ينبغي أن نلتف حولها بجدية حبال المشنقة أو على أقل تقدير كقلادةٍ من بولغاري أو تيفاني. تلك التي يجب أن نلثمها بأبدية الكيّ أو في أسوأ الأحوال مثل طوابع البريد. وعندما تعلو كل صباح مثل ناطحات السحاب نلعق الندى عن نوافذها..


قاطعني الحضور هاتفاً ومصفقاً وقد انتهى الحفل على ما يبدو فنهضت مسرعاً قبل أن تلتفت تلك المرأة. أحببت أن يبقى عنقها بلا وجه في ذاكرتي.