السبت، 17 فبراير 2018

الندبة ..






 يتناولانِ العشاء بصمت، هو وذكرياته، دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر.

يبدوانِ من بعيد غريبينِ تماماً، وما إن تمعن فيهما النظر حتى يبدوانِ مثل زوجينِ جاءا إلى المطعم رغماً عنهما للاحتفال بذكرى زواجهما العشرين. يلومانِ في السر بعضهما البعض، ويذكرانِ في السر أيضاً بعضهما البعض بكل الأخطاء الكبيرة والصغيرة التي ظنا أنهما نسياها، وقد نسياها بالفعل، لكن الكراهية تنشط الذاكرة. يتصنعانِ اللطف أكثر من اللازم فيشعر النادل بالحرجِ كما يشعر بذلك كل من في المطعم لكنهم يتظاهرون بعدم الانتباه، ويتشاغلون بأطباقهم مترقبين اللحظة التي سيندلق فيها السِباب أو الحساء أو الاثنين معاً لينصرِف أحدهما ساخطاً ويترك الآخر ينهار وحده. لكنهما سيتابعانِ عشائهما بهدوء، ويعودانِ بالهدوء نفسهِ إلى البيت.


ما زالا ينامانِ في غرفةٍ واحدة. وعندما تدير ذكرياتهُ ظهرها لتتعرى وتبدل ملابسها، يختلس النظر إليها. رباه كم كبُرتْ حتى لكأنها ذكرياتُ رجلٍ آخر. ماذا فعل الزمن بها؟ أم تراهُ من فعل ذلك؟ كم شاخت وترهلت ـ شاخ بالطبع هو أيضاً ـ وبالرغم من كل شيء ما تزال جميلة. تومض لبرهةٍ صورتها القديمة، أو لعله يتخيلها، فيبتسم ويتذكر بخجل تلك الليلة التي قرر فيها أن يهجرها إلى الأبد. كانت أصغر وأجمل بكثير لكنه في لحظة طيشٍ عقد العزم على التخلي عن ذكرياته، والبدء من جديد، من الصفر مثل الأطفال. لقد تركت هذه الذكرى ندبةً كبيرةً على وجه ذكرياته.