الأربعاء، 24 يناير 2018

أرق وقصص أخرى ..



( أرق )

لا ينام.
يقع الأرق على جانبه الأيمن موزعاً بالتساوي على الطاولة الصغيرة والأباجورة فوقها وكوب الماء والكتب والنظارة والستائر.
أما على الجانب الأيسر فمن السهل أن ينزلق في النوم لولا أن الكوابيس تنام في الجهة نفسها، ومن المتوقع أن يسطو أحدهم عليه للمرة الألف في كابوسه شبه الليلي فيصرخ مستنجداً بأخيه أو بسلاحه ولا أحد منهما يقيم في شقته. 
وعندما ينام على ظهره يكدس الآلام والتشنجات في مرطبان الرقبة، أو يحدق لوقتٍ طويلٍ في السقف فيوسوس بأنه سيهوي في أي لحظة فيبقر بطنه الستلايت، ذلك الضبع المعدني الذي ما انفك يفسد حياته بالأخبار العاجلة. 
أما النوم على البطن فلا يليق برجلٍ يحترم نفسه ويفضّل عليه كل ما سبق لأن منظره يوحي بسيدٍ يهجم على الخادمة فوق البلاط البرتقالي للمطبخ فيطؤها دون موافقتها بمجرد أن تزور زوجته والديها.

جرب أن ينام جالساً على الكرسي كأنه على متن قطارٍ أو طائرة، لكن سؤالاً حال بينه وبين النوم: متى سيصل؟


( وصفة طبية للندم )

يندم كل يومٍ ثلاث مرات، ثلاث فقط، لا أكثر ولا أقل. لا يعني هذا ألا يسمح لنفسه بأكثر من ثلاثة أخطاء في اليوم الواحد. لا، ليس بالضرورة، فهو يندم حتى عندما لا يخطئ، بل لقد مرت أيام كثيرة ومتوالية لم يتمكن فيها من ارتكاب خطأٍ واحد.
يندم كل ثماني ساعات كما لو كانت روشيته. ولا بأس أن يفوت مرةً موعد الندم لأنه سيندم على ذلك فوراً فيصبح المجموع ثلاثة وهو الرقم الذي يبدو معقولاً بالنسبة له. لطالما ردد على مسامع الآخرين وعلى نفسه بالذات: " ثلاث جرعات من الندم أرحم بكثير من أن يبتلع المرء أربعين ندماً دفعةً واحدة."


( السطو على تيفاني )

التقى الثلاثة عند أحد المتاجر، صادف أنه تيفاني، وبادر بالحديث أكثرهم ثقةً في النفس مدفوعاً بمهارته المألوفة في الارتجال عن ضرورة اقتناء بعض القلائد الفاتنة خصوصاً تلك التي من تصميم بالوما بيكاسو، ابنة ذلك العبقري - وهل في الدنيا بيكاسو آخر؟ - قلادة للزوجة ولو كنت عازباً وأخرى للعشيقة ولو ظننت بنفسك الاستقامة.
ثم أضاف وهو يدلك لغده النائم بأن الفرصة الآن تبدو أكثر من سانحة للسطو على هذا المتجر أما بالنسبة إلى الخطة فقد أعدّها منذ أن شاهد فيلم أودري هيبورن وقد راجعها بعد قراءة قصة كابوتي. هل اطلع أيّاً منكما بالمناسبة على الفيلم أو القصة؟ لا بأس، فلم تقع هناك أي عملية سطو ولكنها ستقع هنا بعد قليل. 
يبدو أن أحداً منكم لم يقدم من قبل على السرقة وهذا فألٌ حسن أيها السادة. لا شيء يشبه حظ المبتدئين. الخطة بسيطة جداً بل تكاد تشبه ما يفعله الصغار لسرقة الحلوى. يدخل الأول فالثاني أما الثالث فيقف عند الواجهة من أجل مراقبة سير العملية في الداخل والخارج. 
هيّا، دخل فوراً يتبعه ظله المتردد، وأشار إلى عقدٍ من الألماس وما إن أخرج البائع ذلك العقد حتى سأله: ألا تظن بأن العقد أجمل ما يكون على الجسد العاري؟ وقبل أن يجد البائع الخجول جواباً، اختطف العقد وانطلق يجري مثل مجنون - هو وظله - داعياً صورته على واجهة المتجر أن تتوقف عن المراقبة وأن تركض هي أيضاً بأقصى ما تستطيع.


السبت، 13 يناير 2018

ثلاث قصص قصيرة..




-1- 




لا بد أن مكروهاً أصاب الطائر.

مر يومان على غيابه، ولا أدري إن كان سيعود هذه المرة أم لا. ما كنا نفترق إلا عندما ينصرف أحدنا لشؤونه الخاصة، بل لقد كان يرافقني خفيةً إلى العمل. كنت عشّاً للطائر، ولولا أن الأعشاش لا يجب أن تطير لحلّقتُ بحثاً عنه. كان كتوماً، ربما أحببته لهذا السبب تحديداً، لا يشدو كالكناري، ولكن يطنُّ فقط، كم أفتقد إلى طنينه. وإذا كان الأثرياء يربّون الخيول، ويدلل الأقل منهم ثراءً القطط والكلاب، قلتُ لماذا لا أربّي هذه الذبابة؟ سخرتْ زوجتي كعادتها: 

- " وكيف تعرف أنها الذبابة نفسها؟ "

- " لأنها لا تحطّ إلا هنا " وأشرت إلى الجهة اليسرى من رأسي.

- " حسناً، لا مانع عندي، لكن تذكر أن الذباب لا يعيش أكثر من ثلاثة أسابيع." 

ياللطيور التعيسة! صرت أبلل تلك البقعة من شعري حتى أسقي الذبابة بل لقد حذرت الحلاق من الاقتراب منها. 
لو كنت فقط أنصتُ جيداً إلى طنينها لربما علمت أين هي الآن، ربما وجدتْ عشّاً آخر، تقول زوجتي. أشك أحياناً أنها قتلت الطائر كما قتلت غالا أرنب دالي.


-2-


أقول لك ببساطة إن الحلّ يكمن في الرقم واحد. هذا هو الحلّ، بل هذا هو حلّ كل معضلة تقريباً. لو تمعنت معي قليلاً في دلالات هذا الرقم لغدت هذه الحياة مقبولة بل وحلوة في بعض الأحيان. 

أنت واحد مهما فعلت، حتى الاسكندر الكبير واحد، وفي أوقات الخزي تغدو أقل بكثير من واحد، ولك روحٌ واحدة وقلبٌ واحد وقضيبٌ واحد ومؤخرة واحدة - وإن كانت مشطورة بشكلٍ مخجل - ورأسٌ واحد، لا تقاطعني أرجوك! وفمٌ واحد، وأنفٌ واحد، و.. ألا تستطيع الانتظار؟

طيب، أرى جيداً التماعة عينيك وانتصاب أذنيك وفجاجة ذراعيك وساقيك، وأزعم أن لديك كليتين وخصيتين وإن لم أرَها لحسن الحظ. لكن، ألا يمكنك مواصلة العيش بواحدة؟ 

ركز معي، ما دون الاثنين واحد، لكن ما دون الواحد عدم، لاشيء، نثنق، نينتي، نادا، هل تفهم؟




الواحد هو التوازن، وما عداه اختلال!

تكفيك امرأةٌ واحدة، وعشيقةٌ واحدة، وابنٌ واحد، لا تكن جشعاً وتأتي بأكثر من طفل لأن رجلاً في الشرق أو في الغرب سيصاب بالعقم أو تغدو امرأتهُ عاقر. 

خذ الدون جوان مثلاً، ولنفرض أنه يعرف عشر نساء والواجب أن يعرف واحدةً فقط كما أسلفت ويخونها مع واحدةٍ أخرى فقط. في هذه الحالة هناك ثماني نسوة سيترهبنُ بسببهن أربعة أرجال ويتخنث أربعةٌ آخرين.

كلما جاع شخصٌ ما فلأن أحدهم التهم وجبةً زائدة. كلما ألحد شخص فلأن أحدهم يعبد أكثر من رب وهكذا.. هل فهمت؟ 
- لا. 
- لأنك أبله، ويؤلمني ألا أستطيع أن أشتمك أكثر من شتيمة واحدة.

- 3 -


لا يزال ابنه الوحيد نائماً بجوار زوجته، ابنة أخيه، فهو عمّها مرتين. لم تنجب طفلاً لابنه حتى الآن، وعلى الأرجح لن تنجب أبداً فقد مضى على زواجهما أكثر من عشر سنوات. سيبقى أباً فقط ولن يصبح جدّاً حتى ولو تجاوز الثمانين. زوجته أيضاً تغط في النوم منذ سنوات. يقولون إنها لا تزال في الغيبوبة أما هو فيظن أنها سبقته هناك. تزوره في المنام بين الحين والآخر ولكنها لا تتفوه بأي كلمة. تحدق فيه فقط دونما غضبٍ أو رضا مثل العميان. 

الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً ولا أحد مستيقظ حتى الخادمة. لا يشعر بالجوع، في هذا العمر لا يشتهي المرء الطعام. من يرغب في تناول طعامٍ يخلو من الملح والسكر وأشياء أخرى. لم يتبول في اليومين الماضيين، كانت مثانته خاوية تماماً، وعندما تجمعت فيها بعض القطرات الصفراء تنبّه من نومه. الحمام بعيد، وعصاه ليست هنا، يتحسسها عبثاً هنا وهناك فلا يجدها ولا يمكنه أن يبحث عنها بعينيه الذابلتين. نادى ابنه أكثر من مرة، ولكنه في الطابق الثاني. فرّت قطرة صفراء وسقطت على ثوبه. ما عاد يطيق الصبر أكثر من ذلك، زحف فوق السجادة الفارسية التي أهداها لابنه. المسافة قصيرة لا تتجاوز ثمانية أمتار، ما أطولها عليه. قطع المتر الأول فالثاني ثم ارتطم كتفه بطاولة، تأوه وانزلقت قطرةٌ أخرى، تابع المشي على أربع، وصل أخيراً، بكى من الأسى أو ربما من الفرح. كان مقبض الباب بعيداً عنه، حاول غير مرة فلم تصل يده الدرداء. استلقى بحسرة وهو ينصت إلى خطوات تدنو منه، لو بكّرت قليلاً لما كانت هذه البقعة.