الأحد، 24 يوليو 2016

في متجر الملابس المستعملة - أندريس نيومان






للهواء رائحة الجلد المدبوغ، والكآبة المقصودة تجعل من الصعب رؤية الأشياء بطريقةٍ ملائمة. في الغالب، بدت جميع المعاطف في حالةٍ جيدة. ثبتتْ نظارتها، وأخذتْ تفكر في ذائقة زوجها التي لا يمكن التكهن بها، وتقع ما بين التقليدية وغريبة الأطوار. شعرت بحاجةٍ ماسةٍ إلى التدخين. سوف تزورها الدورة الشهرية هذا المساء أو في صباح الغد على أبعد تقدير. الخنجر اللحوح أسفل سرّتها، وامتعاضها من كل شيء، ليس إلا مؤشرات تسبق قدومها.

أخذتْ معطفاً عريضاً بني اللون وتفحصته للحظة ثم أعادت تعليقه. انتزعتْ معطفاً أسود ذو ياقة مدببة وأعادته أيضاً، تناولتْ معطفاً طويلاً لونه رصاصي وله بطانة عند الكتفين. فكرتْ بخبث، يبدو ذكورياً جداً، أعادتهُ إلى الرف، حتى توقفتْ عند معطفٍ غامق وتأملته بإعجاب. يبدو ملائماً جداً لذائقة زوجها الكلاسيكية. بوسعها رؤيته بنقاءٍ هائل بهذا المعطف، كما لو أنها فعلاً قد شاهدته وهو يرتديه، كما لو أنه ينتمي إليه تماماً. في الحقيقة، ها هي تفكر الآن، يكاد المعطف أن يكون مماثلاً لذلك الذي أهدته زوجها في الكريسمس قبل الماضي. ولكن مستحيل، تحاول عبثاً أن تتأكد. تتحقق من البطانة وعرى الأزارير والأكمام، يبدو كل شيءٍ مطابق. ولكن كيف لها أن تتذكر شكل الأزارير بالضبط أو حتى الماركة. القياس نفسه أيضاً، وإن كان قياس زوجها لا يختلف كثيراً عن أغلب الرجال. شد المرفقان انتباهها، يبدوان في حالةٍ جيدة، قد يكون المعطف نفسه وقد لا يكون.

توقفت لتتروى في الأمر، كيف انتهى الحال هنا بذلك المعطف؟ لماذا يبيع زوجها هدية الكريسمس؟ لم تكن حياتهما تمضي على نحوٍ جيد في العام الماضي، ولكن لم تكن بهذا السوء، أو لعلها كانت كذلك؟ جاهدتْ لكي تتذكر مجادلاتهما الأخيرة. لا، لا بد من وجود أسبابٍ أخرى. لعله كان يكره المعطف ( يا للأناقة هكذا هتف، لا يمكنكِ أن تتصوري كم كنت بحاجته ) أو لعله لم يجد عذراً آخر لعدم ارتدائه فقرر بيعه والتظاهر بفقدانه لاحقاً ( يبدو عليّ رائعاً، رائعاً جداً، كما أصر بقوله ) ولكن زوجها لم يذكر شيئاً يتعلق بضياع المعطف. كما أنها في الوقت نفسه لا تتذكره أبداً وهو يرتديه ما عدا تلك المرة الأولى التي قام بتجربته في البيت. عاودتْ تأمل المعطف مرة أخرى ثم أعادته. هذا هو المعطف حتماً، وربما لا يكون المعطف نفسه. لا يمكنها أن تكون جازمة. شعرتْ بذلك الخنجر يتلوى في معدتها مجدداً. طاف الوجع في رأسها وأخذ يضغط نزولاً على عمودها الفقري.

كانت قد قضت النهار بطوله ( وكل حياتها ) مشياً على قدميها. متى كانت آخر رحلة لهما؟ متى انطلقا لوحدهما في رحلة حقيقية؟ لم يكن في حوزتهما الكثير من المال، أو قبل كل شيء ربما لم تكن لهما مبررات للسفر معاً. ولكن كيف جاء هذا المعطف الجلدي الغامق إلى هنا؟ فتشتْ بداخل الجيوب لعلها تجد برهاناً يؤكد شكوكها. لقد كانا فارغين.

تناولتهُ مرةً أخرى ومضت به إلى البائعة التي كانت تطلي أظافرها خلف الكاونتر، وفي أنفها زمام على شكل نجمة، وسألتها إذا ما كانت تتذكر الشخص الذي باعهم هذا المعطف. حدقت البائعة ولوتْ جزء من شفتها العليا ثم أجابت بنبرةٍ حادة: وكيف من الممكن أن أعرف ذلك؟ الكثير من الناس يأتون هنا. توسلت إليها لكي تبذل قليلاً من الجهد وهي تنظر في عينيها. ولكن البائعة استهجنت سؤالها وعادت لتغمس فرشاة المناكير. هل يمكنكِ على الأقل أن تخبريني منذ متى كان هذا المعطف لديكم؟ ألحّت في السؤال.

تنهدت البائعة وتوقفت عن طلاء أظافرها ثم انتزعت منها المعطف باحثةً عن الملصق. حسناً لقد كان هنا منذ يناير الماضي، وعادت لتواصل طلاء أظافرها. سأقوم إذن بشراءه، حملت المعطف وقالت: إنه عيد ميلاد زوجي، أود أن أقدم له هذه المفاجأة.