الاثنين، 10 يونيو 2019

مدريد أول مرة




عندما زرت مدريد أول مرة حرصتُ على زيارة حلبة الثيران في اللاس فينتاس أكثر من المثلث الفني للبرادو، وما إن هبطنا في مطار بارخاس حتى انطلقت إلى كشك التذاكر. 

كان البائع لا يجيد الانجليزية ولا حتى الانجليزية الركيكة التي ادعى ماركيز أنها اللغة العالمية، فعلى حد قوله لو أن أحداً تحدث الانجليزية بشكل مقبول لما وجد من يفهمه. حدثني البائع بالأسبانية ثم بالإشارة وأخيرًا باليورو، أما أنا فركنت إلى كلمةٍ واحدة فقط "لا"، وكم بدت منيعةً مثل حصن. يلوذ بها المرء فلا يقطع وعدًا ثم يخلفه، ولا يفتح بابًا للريح ولا الشيطان ولا الندم. وقد سبق وحذرنا رجال الدين من ألسنتنا التي تقودنا إلى الهلاك بالرسن تارة وبالرائحة تارةً أخرى وأكد على ذلك رجال المافيا بمقولتهم الشهيرة: "الفم للصمت وليس للكلام". ما وُضِع اللسان في الفم إلا ليبقى هناك فإن خرج وقعت الكارثة شأنه في ذلك شأن الرصاص في المسدس، والمسدس في الجراب. ولما طال وقوفي عند الكشك تطوع أحدهم فأوضح أن المدرج نصفه مشمس وتذاكره هي الأرخص والنصف الآخر تحت الظل وهو الأغلى وبينهما بعض المقاعد التي لو صبرت قليلًا سيلحقها الفيء وهي الفئة المتوسطة، وخلصنا يا أخي.

دفعت بالتي هي أحسن مشككًا في مروءة هؤلاء الذين يبيعون الظل ثم قصدت متحف البرادو ريثما تبدأ المصارعة وأطلت الوقوف عند لوحة غويا "الثالث من مايو". كانوا يعدمونهم رميًا بالرصاص وقد استوقفني غويا حين رسم الضحية أطول من قاتله رغم أنه كان يجثو على ركبتيه. انتبهت إلى أن اللوحة قد رسمت قبل مائة عام. قلت لا حاجة للتقويم، من الآن وحتى نهاية العالم كل يوم هو الثالث من مايو ثم طفقت أردد ما قاله بولغاكوف في تحفته المعلم ومارغريتا: "‏لقد غار الدم في الأرض منذ زمنٍ بعيد، وهناك حيث سُفِح، تنمو الآن عناقيد عنب".

كانت التقاليد الإسبانية القديمة للأحد، أن يقصد الرجل القداس في الصباح، وحلبة الثيران بعد الظهر، والمبغى في الليل. ولا بأس لو تجاوز الأولى أو حتى الأخيرة على ألا يفوت مصارعة الثيران.

عدت إلى اللاس فينتاس، ولما بدأت الجولة الأولى غرز الراكبون على الخيول المدرعة رماحهم في ظهر الثور ومن ثم جاء مصارع الثيران تهتف في صحته الحشود: "أوليه" وأخذ يغرز رمحًا تلو الآخر. قلت هذه منازلة غير عادلة، ليس لأن الثور أعزل، فهو يستطيع أن يقتل بقرنيه أو حتى بقرنٍ واحد، بل لأنه كان يحتضر في الأساس. لم يطمرني العار في هذه الأثناء، حتى حين أعلن السيف نهاية الثور، وتهاوى للمرة الأولى والأخيرة وإلى الأبد، وجرّت عربة الخيول جثته في ثوانٍ قليلة، وكنسوا دماءه الثخينة على عجل تجهيزاً للجولة الثانية، لا لم يكن هذا أفظع ما حدث ولا حتى منظر الثور الثاني وهو يرفض دخول الحلبة، كان قد استدار راغبًا بالعودة. يعيّرون الأسبان مثل هذا الثور بوصفه خانعًا أو خصيّا، فقط لأنه يبحث عن سلامته، وينسون من اخترع الدروع والخنادق والزجاج المضاد للرصاص والعربات المصفحة. كانت هناك دقيقة أو لعلها أقل توقف فيها الثور عن الغضب بل وحتى عن الشعور بالألم، بدا زاهداً في كل شيء وسط صراخ مصارع الثيران ومحاولاته الطفولية لاستفزازه كما لو أنه يقول دون أدنى رغبةٍ في الانتقام: "فلننتهِ من كل هذا".

الأربعاء، 29 مايو 2019

رنا..




في الطريق إلى محافظة الخرج جنوب شرق الرياض. المسافة أقل من ١٠٠ كم ولو غنى محمد عبده لصارت ٥٠ كم. الطريق ينبسط مثل راحة يد، لا جبال ولا أودية، فقط بعض المنعرجات حتى لا يداهمنا النعاس. 

يقود زميلي سيارة العمل وأحدق في النافذة مثل سجين. مصانع ومزارع ومحطات وقود ومدينة ألعاب مهجورة. "وتلفتت عيني فمُذ خفيتْ عنها الطلولُ تلفتَ القلبُ". كانت هذه الملاهي ومثيلاتها حلم الطفولة، كنا صغارًا حين حضّني ولد الجيران على سرقة أبوينا، قال مئة ريال تكفي، ولا أتذكر ما الذي منعني بالضبط. أهو الخوف أم تربية أبي أم جيوبه الخاوية.

محدقًا في النخيل، تبدو نخلات الخرج، على غير العادة، قصيرات كأنهن بنات اليوم. ينبغي للرجل أن ينحني بشدة لملامستهن كما ينحني أمام الثلاجة لتناول الكولا من الرف السفلي. لقد كذب درويش حين جاملهن ولعله يحاسب الآن حسابًا عسيرا. 

كتب أحدهم "رنا" على جدار بيت. كتبها أيضًا على سور مزرعة. رنا البستان والسكنى، أظنه كتبها على جدار مسجد ولم يلبث أن خاف فشطب اسمها وهو يستغفر. لا بد أن يحب الرجل رنا واحدة على الأقل في حياته فإن لم يجد فلا بأس لو أحب رشا. كل شوق لغير رنا يسكن باللقاء ولا يعول عليه. رنا ضرورة مثل الغربة تماما. لما رنا حدثتني النفس قائلةً يا ويح جنبكَ بالسهمِ المصيبِ رُمي، رحم الله شوقي كم كان يحبه أبي، يا ناعس الطرفِ لا ذقتَ الهوى أبدًا أسهرتَ مضناكَ في حفظِ الهوى فنمِ. في العشرينات قلت هذا البيت لكل الصبايا ردًا على "تصبح على خير" وما إن يغلقن الهاتف حتى أسبح في النوم. للبيت ربٌ يحميه.

قلت لزميلي: "رنا لا تسكن في الدلم بل في الهياثم، وتدرس اللغة العربية في جامعة الإمام في الرياض، وكلما ركبت الباص وشاهدت اسمها باللون الاحمر يقرص الخجل قلبها وخدّيها ولأنها تغطي وجهها لا ينتبه من في الباص. أما لماذا لم يكتب اسمها في الهياثم فلأنه لا يريد أن يفتضح أمرها. فكرَ أن الهياثم صغيرة وقدّر أن لجدرانها آذانًا رهيفة وألسنةً حادة، وليس في الهياثم كلها غير رنا. لم يعرف أنه كتب اسمها بالقرب من بيت ابنة خالتها رقية. لكنها أقسمت أن تحفظ السرّ. كانت قد يئست أن يكتب أحدٌ اسمها على الجدران وهكذا صارت قصة رنا قصتها بشكلٍ أو بآخر.

رنا نحيلة بل شديدة النحول، ويزعجها منظر نهديها الصغيرين وأضلاعها البارزة تحتهما، لكن في الوقت نفسه ما كانت لترضى أن تغيّر في جسدها شيئا. أما العاشق فيؤرقه النهدان الصغيران بل وحتى أضلاعها البارزة، ويقضي شطرًا من الليل في تخيل ذلك المنظر، وشطرًا آخر في تخيل الملمس والرائحة حتى تطلع الشمس ولسان المسكين يتدلى في الهواء، يطلي الفراغ بلا هوادة. لن يتزوجها في الغالب، لا لشيء ولكن لتدوم التعاسة. سيجبن في اللحظة الأخيرة أو يرفض أبوها. لو تزوجها لسارع إلى طمس اسمها من سور المزرعة. هكذا يفعل المتزوجون. لا يتباوسون في المطاعم ولا يتلامسون في المصاعد. لا يقاطعها حين تصلي مرددًا أحبك حتى تضحك وتقطع صلاتها، ولا تقاطعه هي أيضًا فتقضم أذنه كلما هاتف أمه. الحماقة الأخيرة التي يتذكرها الأزواج هي الزواج ثم يغدون فجأةً آباء وينشغلون بالدوام وأعمال أخرى ليسددوا القروض ويقترضوا مرةً أخرى، يتمرغون في عفن الحياة.." وقبل أن أواصل حديثي انتبهت أننا قد وصلنا منذ مدة على ما يبدو. قال زميلي: "هلّا حدثتني عن المدير الجديد قبل الاجتماع؟". قلت إنه شرس وصعب المراس كأنه والد رنا، بل أظنه هو.

الأحد، 19 مايو 2019

قصة لكارن بلكسن






يحكى أن رباناً أطلق على سفينته اسم زوجته. في مقدمة السفينة، كان تمثال الزوجة منحوتاً ببراعة، مثلها تماماً، والشعر مطليًّا بالذهب. غير أن الزوجة كانت تغار من السفينة، تقول إنه يفكر في ذلك التمثال أكثر مما يفكر فيها. أنكر زوجها قائلاً: " أفكر فيها كثيراً لأنها تشبهك، لأنها أنتِ. ألا تبدو ساحرة ومثيرة؟ ألا ترقص على الأمواج كما كنتِ ترقصين في حفل زفافنا؟ حتى أنها بشكلٍ أو بآخر تبدو أكثر لطفاً منكِ. تمضي حيثما أقودها وتترك شعرها يتدلى حراً بينما ترفعينه تحت قبعتك. ولكنها تعطيني ظهرها، ولهذا كلما رغبتُ في قبلةٍ عدت إلى البيت في إلسينور". وفي إحدى المرات، حين كان الربان يحمّل السلع في ترانكبار. صادف أن ساعد ملكاً كبير السنّ، من أهل البلاد، في الفرار من بعض الخونة. وعندما افترقا أهداه الملك حجرين أزرقين ثمينين، فقام بوضعهما في وجه التمثال مثل زوجٍ من العيون. ولما عاد إلى موطنه أخبر زوجته بتلك المغامرة، قال: " والآن صارت لها عيناكِ الزرقاوان أيضاً. " فقالت: " كان من الأفضل لو أهديتني تلك الأحجار لأجعلها أقراطًا لي." رفض زوجها: " لا أستطيع أن أفعل ذلك، لو تفهمتِ الأمر لما طلبتِها مني." لم تستطع الزوجة أن تتوقف عن التفكير في الأحجار الزرقاء. وفي أحدِ الأيام، عندما كان زوجها في اجتماعٍ للربابنة، جاءت بزجّاجٍ من البلد لينزع الأحجار من التمثال ويضع بدلاً منها قطعتين من الزجاج. لم ينتبه زوجها وأبحر إلى البرتغال. وبعد أيام أخذ نظر الزوجة يسوء حتى ما عادت قادرةً على إدخال الخيط في الإبرة. ذهبت إلى الحكيمة فأعطتها بعض المراهم، ولما لم تُجدِ نفعاً هزت العجوز رأسها وأخبرتها بأن هذا المرض النادر لا شفاء له، وبأنها ستصبح عمياء. " يارب " صاحت الزوجة، ما إن تعود السفينة إلى مرفأ إلسينور حتى أعيد الجوهرتين مكان قطعتي الزجاج. ألم يقل إنهما عيناي؟ ولكن السفينة لم تعد، وبدلاً من ذلك تسلمت زوجة الربان رسالةً من قنصل البرتغال يقول فيها إن السفينة قد تحطمت وغرق كل من عليها. وأردف، كان غريباً جداً أن تمضي سفينةً من فورها، في وضح النهار، لترتطم بصخرةٍ ناتئةٍ في البحر*



* ترجمة عبدالله ناصر

الأحد، 28 أبريل 2019

خمس قصص من مجموعة "العالق في يوم أحد".





( حوادث الأيام )
  
أطلُ من النافذة على أيامي.
  يقود الثلاثاء بحذر رجلٍ في الستين سيارةً من طراز تويوتا، لا يتجاوز السرعة القانونية، ويلتزم بتعليمات المرور. أما الأربعاء، فيقفُ خلفهُ في محطةٍ ليتزود بالوقود وبعض الحلويات والمشروبات الغازية.
  أكاد أسمع هدير محرك البورش ليوم الخميس، سيقودها باستهتار شابٌ وسيمٌ يُشبه جيمس دين. يبدو أنه هو فعلاً إذ يلقى مصرعهُ كل مرةٍ بعد أن تنكسر عنقه إثر حادثة ارتطامٍ بسيارةٍ أخرى. ربما كانت الجمعة، أظن أن تلك السيارة تخص طليقتي. لا أدري لماذا تتعمد هذا الحادث نهاية كل أسبوع، ولا أدري لماذا لا يتفاداها هو الآخر. سئمتُ من تنبيهه كل مرة، ألوح بيدي محذراً ولكنه يزيد من سرعته كلما اقترب من هذا التقاطع. ألا تكون المشكلة في المكابح؟
  كلما هاتفت طليقتي متوسلاً بأن تتجنب الارتطام بأيامي، تغلق الهاتف، أو تعطيه زوجها ليشتمني ويهددني بالقتل.
  ستأتي الجمعة للأسف بعد فوات الأوان، مثل سيارة إسعافٍ متأخرة. أما الأحد فعربة مصفحة تحيط بها من الأمام والخلف مركبتان للشرطة: السبت والاثنين.
  وهكذا تسير أيامي، الإشارات الضوئية إما عطلانة وإما مسروقة. من يصدق أن هناك من يسرق إشارات المرور؟ ربما كان اللص مهووساً بتنظيم أيامه.
  حتى الشهر لا أتمكن كل مرةٍ من اللحاق بحافلته. أصِل متأخراً بضع ثوان، أركض خلفه ملوحاً فيشير بيدهِ أنِ انتظر باص الشهر القادم. وعندما أنتظر في موقف الباصات يتجاوزني الشهر بنزقٍ متحججاً بامتلاء مقاعده الفارغة.
  تسللتُ ليلاً إلى باص الشهر الذي يليه، واستلقيت على مقاعد الصف الأخير، وفي الصباح فوجئت بأن الباص خارج الخدمة.
  عدتُ إلى الشقة، وأغلقتُ النافذة بالطوب. ما عدت أنتظر، ومع ذلك، بين حينٍ وآخر، تتوقف أيامي بكل لؤم وتدعوني إلى مرافقتها، لكنني أتجاهلها بالطبع.



( الآخر )

  يخاف المرآة، يخاف أن تعكس صورة رجلٍ لم يلتقِ به من قبل، فيحدق إليه طويلًا ذلك الرجل، ولا يتزحزح عن مكانه حتى عندما يغادر الغرفة.
  يخاف أيضاً ألا تعكس صورته، أن يظهر كل من في المكان إلا هوَ ينزلق إلى الجانب الآخر من المرآة، الجانب الرصاصي اللصيق بالجدار، حيث يتراكم الغبار فوق صورنا القديمة.
  يُنزِل المرآة، ويجعل وجهها إلى الجدار، لم يكن على الإنسان أن يخترع شيئاً مدمراً كهذا. لو شاء الرب أن نحدق في وجوهنا طوال الوقت، لجعل أعيننا في باطن أيدينا. يتساءل: أليس الإنسان مرآة الإنسان؟

  يخاف المرآة إلى درجةٍ لم يعد يتوقف أمامها حتى عندما يغسل أسنانه، أو يحلق ذقنه، خصوصاً عندما يحلق ذقنه. يخاف، وفي يده موس الحلاقة، أن يلتقي بالرجل الذي خرب حياته.


( ما تفعلهُ أجسادنا أثناء النوم )



ننام، نغط في النوم، يسيل لعاب بعضنا ويشخر، ويبقى البعض الآخر مهذبًا حتى أثناء النوم. ننام فتنهض أجسادنا لتعيش حياتها المستقلة، وكما نجرها أثناء الصحو، تجرنا أثناء النوم، وإلا لماذا نصحو متعبين في بعض الأيام؟
  ما إن ننام، حتى تتقيأ أجسادنا كل المنبهات، والمنومات أيضاً، بل وحتى الأطعمة التي لا تروق لها، ولولا أن بعض الأجساد أكثر وعياً من مُلَّاكها لاستفرغتْ حتى الأدوية.
  تمضي الأجساد إلى المطبخ لتناول الإفطار، فإن لم تجد ما تشتهي، طرقت أبواب الجيران فتبادلت الحديث والشكوى. ليس بالضرورة أن يكون ذلك الجار من أصدقائنا، ربما كان عدواً. للأجساد صداقاتها الخاصة، وهذا ما يجعلنا نرى الكثير ممن لا نعرفهم في أحلامنا، وهذا ما يجعلنا أيضاً نشعر بميلٍ خفي إليهم في أوقات الصحو.
  ما كنت لأعرف كل هذا لولا اللوثة التي أصابت جسدي فتحول إلى نباتي. كنا نجد السعادة والسلوى في اللحوم والسجائر حتى راح يقدس الألياف والبقوليات. كلما نمت تقيأ شرائح الستيك. أصحو فأتقيأ بدوري الخضروات المسلوقة التي سهر على تناولها. كان يرمي سجائري ويدس في جيوبي علكة النيكوتين. ظننت حينها أن طليقتي تشجعني على الإقلاع عن التدخين. كانت المسكينة تلتزم لشهور بحميةٍ قاسية، ولأن جسدها لم يتبع هذه الحمية لم ينقص وزنها أبدًا.
  كنا نعاني بسبب أجسادنا، لعلها كانت تعاني بسببنا أيضًا. لم تتوافق أجسادنا أبداً، في الصحو نبدو زوجين مثاليين ولكن بمجرد أن تضع رأسها على كتفي وأترك يدي على خصرها حتى يشتبك جسدانا في شجارٍ عنيفٍ أثناء النوم. نصحو على كدماتٍ خضراء وخوفٍ أزرق. خشيت أن يؤذي أحدنا الآخر، فطلقتها.
  أعيش وحدي الآن مكرساً وقتي بالكامل لدراسة الأجساد ورصد سلوكها. عندما يكون الجسد سعيداً تغمرنا الأحلام، وعندما يكون في مأزق تقع الكوابيس، وما إن يتعقد الأمر حتى يتحول إلى جاثوم. البلل والانتصابات لا أظنها بحاجةٍ إلى الكثير من الشرح. غياب الأحلام يعني أن أجسادنا تشعر بالخمول وتود قضاء الليل كله في السرير، أو ربما كانت تخفي علينا أمراً فتعصب أعيننا كما نعصب أعين الخيل.
  عندما نوشك أن نصحو تركض أجسادنا عائدةً إلى السرير، فتقفز فوقه، فنشعر كما لو أننا نسقط من الدور العاشر، ولكن بعض الأجساد بليدة، تتوه ولا تعود في الصباح، فيعثر عليها الناس في الشارع، ويصفعونها حتى تتوقف عن السرنمة.

( هاوية على الطراز المعماري الحديث )


  "لو انتظرتْ زها حديد قليلًا"، تأوه متحسرًا.
  وبعد دقيقة صمتٍ أضاف: " حسنًا، لا بد أولًا أن تكتسب الهاوية سمعةً حسنة. ليس من الحكمة أبدًا أن تقبع طوال قرونٍ في الأسفل. يمكننا أن نجعلها تصعد إلى الطابق العاشر مثلًا. ما المانع في أن تُطِل على البحر أو على حديقةٍ عامة؟ ولماذا يجب أن تزل قدم أحدهم حتى يذهب إليها؟ يمكنه ركوب المصعد، وإن كان من هواة الرياضة، فليطلعِ السلالم. لا بد من لافتاتٍ كبيرة الحجم، مضيئة وثلاثية الأبعاد، تشير بدقةٍ إلى الهاوية حتى لا يتيهون عنها. دعوني أذكركم بضرورة التوقيع على بعض الأوراق الرسمية قبل الدخول، إجراءات شكلية لا مفر منها تتعلق بالتأمين وما إلى ذلك. أقترح أن نغير أرضية الهاوية، لتكون من السيراميك أو الباركيه أو حتى الرخام. أقترح أيضًا تعليق بعض النسخ غير الأصلية بالطبع لشاغال وكائناته الطائرة، لإضافة الطابع الفني وحس الدعابة في الوقت نفسه. واي فاي مجاني، وصالة رياضية مزودة بأحدث المعدات. هاوية على الطراز المعماري الحديث دون أن يقلل ذلك شيئًا من أصالتها بحيث لا يفلح المستثمر في الخروج منها أبدًا".



( شارب فريدا كالو )

  لم تنجب حتى الآن، ولا يظنها ستنجبُ أبدًا.
  كانت السنوات الأولى سنوات ترقبٍ عظيم. يفرحانِ كلما تأخرت الدورة الشهرية يوماً أو يومين، ويغضبانِ كلما بكَّرت وإن تظاهرا بغير ذلك. في السنة الرابعة تقبلا الأمر على مضض. لم يذهبا إلى عيادات الإنجاب. كان هذا رأيه، قال بوضوح إن هذه الفحوصات سوف تهدم الذي بينهما إن عاجلاً أو آجلاً. لا، لم يذهب وحده إلى الطبيب، لا تأخذكم الظنون، ولم تذهب هي أيضًا وإن كانت قد حجزت موعداً، وتخلفت عنه في اللحظة الأخيرة.
  كان عندهما في الحقيقة بصيصٌ من الأمل حتى السنة السابعة. قال في سريرته وهو يتأملها: "إنه القدر، وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد، من الأفضل أن يذعن المرء راضياً". قالت في سريرتها وهي تتأمله: "إنه القدر، ولو سخِط المرء وخبط الأرض بأقدامه كالأطفال، سيذعن أيضاً".
  كانا مثل سائر الأزواج يتخاصمانِ على الأمور الصغيرة أكثر من الكبيرة، والخصام أمرٌ صحي بل ضرورةٌ حياتية. وكانت في البيت غرفةٌ خاصة للخصام، ينعزل فيها أحدهما عندما تتعقد الأمور، فلا يخرج قبل أن يعتذر الآخر.
  حمل الزوج وسادته وفراشه دون أن يتخاصما هذه المرة، ومضى إلى تلك الغرفة، ولو تأخر قليلاً لسبقته الزوجة إليها لأنها كانت تنوي فعل الأمر نفسه.
  لم يحدث شيء تقريباً لولا أن شعره أخذ يتساقط، شعر الجسد لا الرأس، لأن شعر الرأس كان ينمو بغزارة حتى انحدر على كتفيه في الوقت الذي راح جسده يتحول تدريجياً إلى جسدٍ أمرد. استدار صدره العريض، وصارت أثداؤه تندفع شيئاً فشيئاً إلى الأمام، حتى صار يخفيها تحت قمصانه الواسعة. وصغُر ما بين فخذيه إلى أن استيقظ في أحد الأيام فلم يجده.
  كانت أياماً عصيبةً عليهِ وعليها أيضاً. اخشوشن صوتها، وجفت حلماتها، حتى صارت مثل الزبيب. وتسطحت مؤخرتها المستديرة، فصارت كالمقلاة، وظهر عندها ما افتقده زوجها، وبدأ يكبر يوماً تلو الآخر.
  ما زال في غرفته وما زالت في غرفتها. يخرجانِ فقط ليتناولا الطعام معاً، ولكن بصمت. كلما سقطت شعرةٌ من شاربه نبتت تحت أنفها، حتى صار لها شارب فريدا كالو، وصار الأمر في منتهى الوضوح.
  ارتدت قميصه الأزرق، فناسب مقاسها الجديد، وعندما وقف أمام المرآة ليجرب بيجامتها الوردية بدا مثل طائر الفلامينغو حتى أنه وقف لدقائق على ساقٍ واحدة. عادا للنوم معاً، ولترقب الدورة الشهرية مثلما كان الأمر في السنوات الأولى، بل وأكثر.