الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

أمستردام أول مرة..



يا للغرابة التي اعترتني حين نزلت أمستردام أول مرة، فكأن القطار قد أوصلني إلى إحدى لوحات انتونيو سقي الكرتونية. بدت الأشياء كبيرةً جداً وصغيرةً جداً في الوقت نفسه كما لو أني أكلتُ فطر أليس فغدوت أطول من البيوت المائلة وأعرض من القنوات المائية. ثمة خفّة لا يمكن التعبير عنها إلا بطريقة القديس أوغستين حين سُئل عن الزمان: "إذا سألتني فأنا لا أعرف الإجابة، أما إذا لم تسألني فأنا أعرف."

المباني صغيرة وملمومة فكأنها بُنيت دفعةً واحدة، يتراوح عرضها بين متر ونصف وستة أمتار. من الصعب جداً إخفاء كنزٍ أو سرّ هنا. أظنهم يتبادلون الأسرار بلغة إشارةٍ مشفرة. النوافذ طويلة على الطراز الفرنسي. ربما خيّل لك أنهم لا يزرعون غير الصفصاف لكن الأكاسيا هنا والدردار وأشجار أخرى لو أمعنت النظر. التماثيل وحيدة، تخيط دموعها العناكب.



هذا بلد المليون دراجة، هكذا تزعم الإحصائيات التي تؤكد على أن عدد السكان قرابة ٨٠٠ ألف نسمة لذا يبدو غريباً بعض الشيء أن يقيّدوا دراجاتهم مخافة السرقة. فلتُسرق! لم لا؟ لو كان كالفينو عمدة أمستردام لجعلهم يسرقون دراجات بعضهم البعض كما فعل في بلدته القصصية حيث الجميع يخرج في الليل حاملين مصابيحهم لسرقة الجميع. أرى أن يركب الكل دراجة الكل وهكذا يحصلون على دراجةٍ جديدةٍ كل يوم بدلاً من تغييرها كل سنة. تتكفل الدراجة بمشاوير العائلة، الأب على دراجته والطفل في السلة الأمامية، والأم فوق دراجتها. وسائل المواصلات تبدأ من الدراجات فالأقدام فالترام فالقوارب فسيارات التاكسي. لم أر بعد جولةٍ امتدت لخمس ساعات غير تاكسي واحد فقط ونصف سيارة بوليس. الترام يقطع المدينة مثلما تقطع السكين البيتزا. الانتحار هنا لا يحتاج إلى محطات قطار، لا أسوار على البحر والأنهار. اترك دراجتك فقط واعبر إلى العالم الآخر. القوارب في كل مكان، يبدو بعضها أشبه بديكور. إذا كان البعض يورث أبناءه الملايين، والبعض الآخر يورثهم الديون فالهولنديون يورثون أطفالهم القوارب، ومن لا يفعل هو بالتأكيد أبٌ عاق.

اللغة الهولندية وعرة، وأفضل من وظف "وعرة" في التاريخ لا بد أن يكون ابن عمي أحمد. كان قد شارك في برنامج تلفزيوني قبل ثلاثين سنة، وكان الوحيد الذي لم يتمكن من الإجابة على أي سؤال، حتى تلك الأسئلة التي يعرفها مخافة أن يخطئ لذا أخذ يعتذر عن الإجابة في كل مرة حتى سخر منه المذيع فانتفض كبرياؤه واحتج قائلاً: الأسئلة وعرة يا أخي، ثم اعتذر للمرة العاشرة والأخيرة ولكن ليس عن الإجابة بل عن المواصلة في المسابقة. اللغة وعرة، الحروف أشواك تجرح الفم واللسان. صباح الخير على سبيل المثال تقال هكذا: خودمورخن. ماذا لو ترجمنا إحدى أغاني بول أنكا الحميمية إلى الهولندية؟ يبدو من الطيش أن يتورط المرء في غراميات هولندية.



توصلتُ بعد تأمل عميق في التصميم الجغرافي والهندسي للمدينة إلى أن القائد العسكري الهولندي كان عميلاً نازياً سلّم المدينة في يوم واحد. أمستردام عبارة عن مربعات ومثلثات سكنية وعشرات القنوات المائية! لماذا استسلمت أيها الحقير! أعجزت أن تفعل ما يفعله الصغار حين يهربون من أمهاتهم فيدورون ويدرن خلفهم حتى ينفد صبر الألمان؟ سيتظاهرون بالخروج كما تفعل الأمهات ويجب على الهولنديين حينها ألا يصدقونهم كما يفعل الصغار.

يحذرون هنا من المشي على العشب، ويدعون إلى تدخينه بدلاً من ذلك. مررت بأكثر من زقاق تفوح فيه حرائق العشب. يحرقون هنا كل الأعشاب حتى عشب ويتمان. عندما دقت أجراس الكاتدرائية قلت لمن تقرع الأجراس؟ لمن تقرعين يا أجراس أمستردام؟ الكل هنا مشغول أو كما غنت الستّ كل الأحبة اثنين اثنين. أنا فقط من يمشي وحده وشابةٌ صينية دعوتها لمرافقتي فلم ترحب بالفكرة فألححت قائلاً: إنّا غريبانِ هاهنا وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ، وأضفت: تعالي أقاسمك الهموم تعالي فرفضت علانية. قلت إنني لا أحب الصينيّات أيضاً لكن على الأقل يمكن أن يصوّر أحدنا الآخر عوضاً عن إزعاج المارّة. تبعتها حتى استوقفتْ شرطياً واشتكتني ففعلت ما فعله بطل خوان مياس واتهمتها بأنها هي من تطاردني مرددةً كلماتٍ من قبيل إنا غريبان هاهنا.

الأحد، 16 سبتمبر 2018

ثلاث قصص قصيرة جداً لدان رودز





ترقُب

بشعرها الأشقر الطويل، وبشرتها البيضاء كالزنبق، وشفاه كيويبد المقوسة بدت ماريديل مثل ملاك. بطبيعة الحال كنت سعيداً بحملِها لولا عيون الطفل الضيقة التي وشت بخيانتها. اعتذرتْ وسامحتها. سرعان ما حملتْ وأخذنا نترقب مرةً أخرى ولكن الطفل كان بني اللون كالبندق. لم أتفوه بكلمة، بدت في منتهى الروعة والخلاسي الصغير ممهداً على ذراعها. ما كنت لأخاطر بفقدانها. قلتُ: "أخيراً، طفلنا نحن." قبلة واحدة فقط من ذلك الفم الكامل أعادت الأمور إلى نصابها.


فوجي

تبدو يولنثي مثل جبل فوجي، فخمةً ومغوية من بعيد وما إن تقترب منها حتى تخيّب أملك. كلما أتى خطّابها بالورود والغيتارات الإسبانية أسررت لهم بذلك. عندما لا تسمعني أقول لهم: "ستندمون إذا قربتموها منكم". يظنون أني أهددهم فأهمس قائلاً: " أعرف إنها شديدة الجمال لكن ما إن تعرفونها عن قرب حتى تجدونها في الحقيقة فتاةً عادية". يسألوني مادام الحال هكذا لماذا لا أتركها. أتأتئ مرتبكاً، لا أعرف كيف أبرر الأمر.


قِطع

‎اختطفوا صديقتي وطلبوا مبلغاً ضخماً من المال قبل أن يعيدوها. كنت ممتناً لهذا السلام والهدوء، ولم أكن في عجلةٍ لتسوية الأمور. أخذوا يرسلون بعد حين قطعاً صغيرةً منها. بدأوا بإرسال الأذن في وعاءٍ للصابون. لسببٍ ما، لم يخفضوا مبلغ الفدية. هذا غير منطقي. يبدو أنهم يظنون أني سأدفع المبلغ نفسه لصديقةٍ بلا أصابع إبهام ولا أذان ولا أنف أو حتى حلمات كما لو كنت سأفعل مقابل امرأةٍ تحتفظ بكامل أعضائها.


ترجمة عبدالله ناصر