الأحد، 15 أبريل 2018

البنادق وحمالات الصدر




كانت الحياة حلوة حتى انتبه الإنسان إلى عجزه عن الطيران. كلما حام طائرٌ في الهواء أخذ يقفز خلفه فلم يعرف من الطيران غير السقوط. كانت ساقاه تهوي إلى الأرض كلما رفعها، وللأمانة فقد كانت أكثر نفعاً على الأرض. تقفُ وتمشي وتعدو وتركب الحصان والنخلة والجبل. 

كلما غردت العصافير أو نعبت الغربان ظنّ الإنسان أنها تسخر من ساقيه العاجزتين وكتفيه المشعرتين بلا أجنحة فعاد تعيساً رغم كونه يعيش تلك الأيام أزهى عصوره الغرامية حتى بلغت السعادة بالرجل أن يتوقف عن اختلاس النظر إلى مؤخرة جارته كلما سنحت الفرصة. بل لقد كانت قدم المرأة على قدم زوجها حرفياً لأنه كان يحمل نهديها أينما ذهبت. لم تُعرف في ذلك الزمن الجميل حمالات الصدر حتى جُنَّ أحد الحمقى واخترع جناحاً أسماهُ " بندقية ". لم تساعده على الطيران بالطبع لكنها أوقفت الطيور عند حدّها.

انشغل الرجل بجناحه المشؤوم وترك نهدي زوجته يرعيان في الهواء الطلق حتى استثارا شهامة رجلٍ أرمل بادر إلى حملِهما براحتيه. مرّ الزوج ببندقيته فراعهُ ما رأى وأطلق النار في الحال على راحتي الأرمل فتناثرت أصابعه على الرمل.

فقد الرجال عقولهم واخترعوا مزيداً من الأسلحة متنصلين من حمل الأثداء باستثناء رجلٍ وحيد حاول عبثاً إصلاح العالم فاخترع حمالات الصدر تكريماً لذكرى أصابع جدّه الأرمل.

الاثنين، 9 أبريل 2018

٢٤ ساعة في بروكسل




أكتب في القطار عائداً إلى لندن بينما نعبر الحدود الفرنسية، كانت بروكسل باردة جداً وإن كان أهلها على العكس من ذلك فهم يحتفون بالكسل على الطريقة الفرنسية ويُقبِلونَ على البيرة منذ الصباح الباكر - شاهدت أحدهم يكرعها بالصحة والعافية في التاسعة صباحاً وربما بدأ مبكراً قبل خروجي من الفندق - كما أنهم يتبادلون القبلات القصيرة والطويلة، والجافة والرطبة، والتقليدية والحداثية، والعاطفية والشهوانية، والعادية والفانتازية في الأماكن العامة - ربما أكثر من الخاصة - بشكلٍ أكبر من الانجليز. وتؤكد صحة ذلك عشرات الكاتدرائيات المهجورة من قبل البروكسليين الآثمين وحتى كاميرات السياح وربما الرهبان والكهنة أيضاً. الناس هنا يؤمنون بالشوكولاته والوافل والبيرة والكوميك والأنتيك ويتنسكون فقط في تلك الحانات والمتاجر. وقد تعرضت لخدعة أو لنقل مقلب عندما قطعت تذكرة دخول متحف البيرة البلجيكية وما إن خطوت خطوةً واحدة حتى انتهى المتحف. لا شيء سوى بعض الأخشاب ورائحة الجعة التي ترافقني بعد ذلك في كل مكان وشاشة صغيرة تعرض فيلماً وثائقياً أو هكذا أتصور لأنني لم أنظر إليها إذ دعاني النادل ليقدم لي كأساً مجانية تقوم مقام مرشد المتحف، ربما هذا ما يطلق عليه البلجيكيون خفة الدم التي يعتقدون يقيناً بأنها إحدى سماتهم - هناك في الجينات - على أني لم أتقاطع معها أبداً.
قررتُ أن أتجول بعربةٍ يقودها خيلٌ أبيض - مع أن الخيل الأدهم كان أحد أحلام الطفولة التي تنازلت عنها - وكانت المفاجأة أن الآنسة الشقراء التي تبدو من بعيد توأم ميشيل فايفر ومن قريب توأم كيت وينسلت وعندما تقف قبالتها تجدها مجرد آنسة شقراء لا تشبه غيرها وإن كانت حظوظها قائمةً جداً في السعادة من وجهة نظري الشخصية، أقول إن تلك الشقراء كانت هي الحوذيّ. يبدو أن فتيات بروكسل عمليات جداً، يفضّلن الأحصنة البيضاء بلا فرسان الأحلام. كانت الجولة قصيرة، يمكنها فقط أن تثير حماسة سائحٍ آسيوي - ليس أخرقاً بالضرورة - ثم تجولت في أسواق الأنتيك. أنتيك على مدّ البصر وحتى عندما تغمض عينيك لا بد أن تشاهد أكثر من تحفة تتراوح أسعارها بين مئات وآلاف اليوروهات. نستالوجيا نحاسية باهظة الثمن وحنين الرخام الطفولي إلى الماضي، ولكن أقدامي تجمدت في متجرٍ للحيوانات المحنطة. لطالما حلمت برأس أيلٍ يتخذ جدار صالتي جسداً ويشرف على مكتبة البيت، يشاهد معي الأفلام ويشجع مدريد ويستمع جيداً إلى قصصي ثم يبدي كل مرة رأيه الإيجابي. كان المنظر مرعباً وقد قلت للبائع إنني قبل الدخول شاهدت بعض الصينين - سادة الأرض الجدد - وهم يخرجون مرعوبين تماماً والآن أشعر مثلهم بالرهبة لا بالدهشة كما توقعت. خرجت وتنازلت ببساطة عن حلمٍ آخر.